العدد العشر- 1 رجب 1438 هـ | الأرشيف | الخميس 30 مارس 2017 م  
الرئيسية
الافتتاحية
معارف ومفاهيم
الأسرة والمجتمع
مواضيع متفرقة
واحة القراء
تواصل معنا
 
القائمة البريدية
 
عدد الزوار
18674
الافتتاحية
من صفات المؤمنين .. "يقيمون الصلاة"

ال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (الأنفال: 2-4).

من صفات المؤمنين أنهم يمارسون عبادة الصلاة لا على نحو الأداء فقط، بل على نحو الإقامة، حيث تكون صلاتهم واجدة لشرائط الصحة والقبول، فإقامة الصلاة تعني المحافظة عليها بأدائها في وقتها، والالتزام بشرائط صحتها، وممارستها مع سننها ومستحباتها، مراعياً العبد في أدائه لها شرائط قبولها أيضاً، فيأتي بها على الوجهة التي تكون معراجاً للمؤمن، متقرّباً بها إلى الله لترتقي به في سلّم الرفعة والكمال.. فالصلاة لها أثرٌ ودورٌ فعّال في حياة المؤمن، فهي من أفضل الأعمال بعد معرفة الله سبحانه وتعالى، فعن الإمام الصادق "عليه السلام" أنّه قال لمّا أن سئل عن أفضل الأعمال بعد المعرفة: (ما من شيء بعد المعرفة يعدل هذه الصلاة)

 
 

 ماذا تريد منّا فاطمة الزهراء "عليها السلام"؟

وما العمل الذي ينبغي أن نقوم به ليقع منها موقع الرّضا ما دام رضاها رضا الله؟

وما هو العمل الذي يباعدنا عن مواقع غضبها وسخطها، ما دام غضبها غضب الله وسخطها سخط الله؟

وهل الزّهراء محتاجة إلى مدح المادحين وإطراء المطرين وثناء المثنين منّا؟

ولا شكّ أن الزهراء "عليها السلام" في غنى عن مدح المادحين وثناء المثنين، فقد نطق القرآن على لسانها ولسان ابن عمّها أمير المؤمنين "عليه السلام" قائلاً: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) (1)؛ لأنّها تتحرّك في كلِّ نشاطاتها ومواقفها في الحياة لوجه الله تعالى وتلك هي القيمة الإنسانية، أن يعطى الإنسان كل ما يملكه لله ورجاء رحمته وعفوه. وعلى هذا فإنّه وإن كان ذكر مناقب الزهراء ومآثرها وكراماتها ومواقفها الكريمة في المجالس والمحافل عبادة عظيمة إلاّ أنّها بالتأكيد لا تقبل منّا أن نصف عملاً حسناً من أعمالها، أو موقفاً إنسانيّاً من مواقفها؛ ثم نخالفه بسلوكنا وعملنا، فالحبُّ السلبي لا تقبله الزهراء "عليها السلام" منّا ولا يقع موقع الرّضا منها.

فالزهراء "عليها السلام" تريد أن يكون حبّنا لها يصدّقه سلوكنا باتباعها فيما تأمر به وتنهى عنه، إننا لا يمكن أن نقبل دعوى من يدّعي أنّه محبٌّ لأبيه وأمّه ما دام يرفع صوته في وجوههما ويعصي أوامرهما ويرتكب كل عمل يؤدّي إلى سخطهما، ونعتبر دعوى حبّه القلبي لوالديه دعوى عقيمة لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا تشفع له يوم يقوم النّاس لربِّ العالمين. فكيف يمكن أن نقبل دعوى من يدّعي حبَّه لفاطمة الزهراء "عليها السلام" وهو يخالفها فيما تأمر به وتنهى عنه، خصوصاً بعد قيام الدليل القطعي الصدور على أنّها لا تجانب الحق في حالتي الغضب والرّضا، وأنّ رضاها وغضبها يوافق الموازين الشرعيّة في جميع الأحوال فرضاها رضا الله وغضبها غضب الله.

والخلاصة: أنّ الزهراء "عليها السلام" عاشت لله، ووظفت كلَّ شيءٍ عندها لله، وجعلت كلَّ حركاتها ونشاطاتها ومواقفها في الحياة لوجه الله تعالى، وهي تريد منّا أن نسير على ما سارت عليه حسب قدراته واستطاعته: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (2)، (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) (3)، (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، و "وما ضعف بدن عما قويت عليه النيّة"، و "إن لكم عند كل طاعة عوناً من الله سبحانه يقول على الألسنة ويثبت الأفئدة فيه كفاء لمكتف، وشفاء لمشتف" (4).

فهل نعقد العزم للسير على خطى الزهراء "عليها السلام"؟ وهل نعاهد أنفسنا وضمائرنا على أن يكون سلوكنا في الحياة تصديقاً لما تكنّه قلوبنا من حبّ وولاء للزهراء "عليها السلام"؟ هذا ما نأمله إن شاء الله.

_________________________

(1) الدهر: 9.

(2) البقرة: 286.

(3) الإسراء: 84.

(4) نهج البلاغة "صبحي الصالح": 330 – 331/ الخطبة 214.

 
 

انبعثت ثورة الإمام الحسين "عليه السلام" من ضمير الاُمّة الحيّ ومن وحي الرسالة الإسلامية المقدسة ومن البيت الذي انطلقت منه الدعوة الإسلامية للبشرية جمعاء، البيت الذي حمى الرسالة والرسول ودافع عنهما، حتى استقام عمود الدين. وأحدثت هذه الثورة المباركة في التأريخ الإنساني عاصفة تقوض الذل والاستسلام وتدك عروش الظالمين، وأضحت مشعلاً ينير الدرب لكل المخلصين من أجل حياة حرّة كريمة في ظل طاعة الله تعالى.
ولا يمكن لأحد أن يغفل عما تركته هذه الثورة من آثار في الأيام والسنوات التي تلتها رغم كل التشويه والتشويش الذي حاول أن يمنع من سطوع الحقيقة لناشدها. وبالإمكان أن نلحظ بوضوح آثاراً كثيرة لهذه الثورة العظيمة عبر الأجيال وفي حياة الرسالة الإسلامية بالرغم من أنّا لا نحيط علماً بجميعها طبعاً. وأهم تلك الآثار هي:

1 ـ فضح الاُمويين وتحطيم الإطار الديني المزيّف:

بفعل ثورة الإمام الحسين "عليه السلام" انكشفت للناس حقيقة النزعة الاُموية المتسلطة على الحكم، ونسفت تضحيات الثائرين كل الاُطر الدينية المزيّفة التي استطاع الاُمويون من خلالها تحشيد الجيوش للقضاء على الثورة الحسينية، مستعينين بحالة غياب الوعي وشيوع الجهل الذي خلّفته السقيفة. ونلمس هذا الزيف في قول مسلم بن عمرو الباهلي يؤنّب مسلم بن عقيل ربيب بيت النبوة والعبد الصالح لخروجه على يزيد الفاسق، ويفتخر بموقفه قائلاً: أنا من عرف الحق إذ تركته، ونصح الأُمّة والإمام إذ غششته، وسمع وأطاع إذ عصيته(1).

وهذا عمرو بن الحجاج الزبيدي ـ من قادة الجيش الأموي ـ يحفّز الناس لمواجهة الإمام الحسين "عليه السلام" حين وجد منهم تردّداً وتباطؤاً عن الأوامر قائلاً:

 يا أهل الكوفة الزموا طاعتكم وجماعتكم، ولا ترتابوا في قتل من مرق من الدين، وخالف الإمام (2).

فالدين في دعوى الاُمويين طاعة يزيد ومقاتلة الحسين "عليه السلام".

ولكن حركة الإمام الحسين "عليه السلام" ورفضه البيعة وتضحياته الجليلة نبّهت الاُمّة، وأوضحت لها ما طُمس بفعل التضليل. فقد وقف الإمام الحسين "عليه السلام" يخاطبهم ويوضّح مكانته في الرسالة والمجتمع الاسلامي: أمّا بعد فانسبوني، فانظروا من أنا؟ ثم ارجعوا إلى أنفسكم فعاتبوها وانظروا هل يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم "صلى الله عليه وآله" وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين بالله والمصدّق لرسوله بما جاء من عند ربه ؟!

 هذا بالإضافة إلى كل الخطب والمحاورات التي جرت في وضع متوتّر حسّاس أوضح للناس مكانة طرفي النزاع. ثم ما آلت إليه نتيجة المعركة من بشاعة في السلوك والفكر فاتضحت خسّة الاُمويين ودناءتهم ودجلهم.

وكان الأثر البالغ في مواصلة الثورة الحسينية بدون سلاح دمويّ حين واصلت العقيلة زينب بنت أمير المؤمنين "عليه السلام" فضح الجرائم التي ارتكبها بنو اُميّة ومن ثم توضيح رسالة الإمام الحسين "عليه السلام".

إنّ جميع المسلمين متفقون ـ على اختلاف مذاهبهم وآرائهم ـ بأن الموقف الحسيني كان يمثّل موقفاً إسلامياً شرعياً، وأن يزيد كان مرتدّاً ومتمردّاً على الإسلام والشرع الإلهي والموازين الدينية.

2 ـ إحياء الرسالة الإسلامية:

لقد كان استشهاد الإمام الحسين ("عليه السلام" هزّة لضمير الاُمّة وعامل بعث لإرادتها المتخاذلة وعامل انتباه مستمر للمنحدر الذي كانت تسير فيه بتوجيه من بني اُميّة ومن سبقهم من الحكّام الذين لم يحرصوا على وصول الإسلام نقيّاً الى من يليهم من الأجيال.

لقد استطاع سبط الرسول "صلى الله عليه وآله" أن يبيّن الموقف النظري والعملي الشرعي للاُمّة تجاه الانحراف الذي يصيبها حينما يستبدّ بها الطغاة، فهل انتصر الحسين "عليه السلام" في تحقيق هذا الهدف؟ لعلّنا نجد الجواب فيما قاله الإمام زين العابدين "عليه السلام" حينما سأله إبراهيم بن طلحة بن عبد الله قائلاً: من الغالب؟ قال "عليه السلام": «إذا دخل وقت الصلاة فأذّن وأقم تعرف الغالب» (3).

 لقد كان الحسين "عليه السلام" هو الغالب إذ تحقق أحد أهم أهدافه السامية بعد محاولات الجاهلية لإماتته وإخراجه من معترك الحياة.

3 ـ الشعور بالإثم وشيوع النقمة على الاُمويين:

اشتعلت شرارة الشعور بالإثم في نفوس الناس، وكان يزيدها توهجاً واشتعالاً خطابات الإمام عليّ بن الحسين "عليهما السلام" وزينب بنت عليّ بن أبي طالب وبقية أفراد عائلة النبيّ "صلى الله عليه وآله" التي ساقها الطغاة الاُمويون كسبايا من كربلاء الى الكوفة فالشام .

فقد وقفت زينب "عليها السلام" في أهل الكوفة حين احتشدوا يحدّقون في موكب رؤوس الشهداء والسبايا، ويبكون ندماً على ما فرّطوا وما حصل لآل النبيّ "صلى الله عليه وآله" فأشارت إليهم أن اسكتوا فسكتوا فقالت:

أما بعد:

يا أهل الكوفة أتبكون؟ فلا سكنت العبرة ولا هدأت الرّنة، إنما مثلكم مثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم ألا ساء ما تزرون، أي والله، فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها فلن ترحضوها بغسل أبداً، وكيف ترحضون قتل سبط خاتم النبوة، ومعدن الرسالة ومدار حجّتكم، ومنار محجّتكم، وهو سيد شباب أهل الجنّة؟».

وتكلم عليّ بن الحسين "عليهما السلام" فقال:

أيها الناس! ناشدتكم الله، هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه، وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه؟ فتباً لكم لما قدمتم لأنفسكم وسوأة لرأيكم، بأي عين تنظرون إلى رسول الله "صلى الله عليه وآله" إذ يقول لكم: قتلتم عترتي، وانتهكتم حرمتي، فلستم من اُمتي (4).

وروي أيضاً أن يزيد بن معاوية فرح فرحاً شديداً وأكرم عبيد الله بن زياد ولكن ما لبث أن ندم ووقع الخلاف بينه وبين ابن زياد حين علم بحال الناس وسخطهم عليه، ولعنهم وسبّهم (5).
ولقد كان الشعور بالإثم يمثّل موقفاً عاطفياً مفعماً بالحرارة والحيوية والرغبة الشديدة بالانتقام من الحكم الاُموي، مما دفع بالكثير في الجماعات الإسلامية إلى العمل للتكفير عن موقفهم المتخاذل عن نصرة الإمام الحسين "عليه السلام" بصيغة ثورة مسلحة لمواجهة الحكم الاُموي الظالم.

 صحيح أنه لا يمكننا أن نعتبر موقف المسلمين هذا موقفاً عقلياً نابعاً من إدراك فساد الحكم الاُموي وبعده عن الرسالة الإسلامية إلاّ أنه كان موقفاً صادقاً يصعب على الحاكمين السيطرة عليه كالسيطرة على الموقف العقلاني، فكان الحكام الظلمة وعبر مسيرة العداء لأهل البيت النبوي "عليهم السلام" يحسبون له ألف حساب.

4 ـ إحياء إرادة الاُمّة وروح الجهاد فيها (6) :

كانت ثورة الإمام الحسين "عليه السلام" السبب في إحياء الإرادة لدى الجماهير المسلمة وانبعاث الروح النضالية، وهزّة قوية في ضمير الإنسان المسلم الذي ركن الى الخنوع والتسليم، عاجزاً عن مواجهة ذاته ومواجهة الحاكم الظالم الذي يعبث بالاُمّة كيف يشاء، مؤطّراً تحركه بغطاء ديني يحوكه بالدجل والنفاق، وبأيدي وعاظ السلاطين أحياناً واُخرى بحذقه ومهارته في المكر والحيلة.

فتعلم الإنسان المسلم من ثورة الحسين "عليه السلام" أن لا يستسلم ولا يساوم، وأن يصرخ معبّراً عن رأيه ورغبته في حياة أفضل في ظل حكم يتمتع بالشرعية أو على الأقل برضا الجماهير.

ونجد انطلاقات عديدة لثورات على الحكم الأموي وإن لم يُكتب لها النجاح; إلاّ أنها توالت حتى سقط النظام. ورغم أن أهدافها كانت متفاوتة إلاّ أنها كانت تستلهم من معين ثورة الحسين "عليه السلام" أو تستعين بالظرف الذي خلقته. فمن ذلك ثورة التوابين (7) التي كانت ردّة فعل مباشرة للثورة الحسينية، وثورة المدينة (8)، وثورة المختار الثقفي (9) الذي تمكن من محاكمة المشاركين في قتل الحسين "عليه السلام" ومجازاتهم بأفعالهم الشنيعة وجرائمهم الفضيعة، ثم ثورة مطرف بن المغيرة، وثورة ابن الأشعث، وثورة زيد بن عليّ ابن الحسين "عليهما السلام" (10) وثورة أبي السرايا (11).

 لقد أحيت الثورة الحسينية روح الجهاد وأجّجتها، وبقي النبض الثائر في الاُمّة حيّاً رغم توالي الفشل اللاحق ببعض تلكم الثورات. إلاّ أن الاُمّة الإسلامية أثبتت حيويّتها وتخلّصت من المسخ الذي كاد أن يطيح بها بأيدي الاُمويين أسلافهم.

_____________________
(1) تاريخ الطبري: 4 / 281.

(2) المصدر السابق: 4 / 331.

(3) حياة الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) : 3 / 440 عن أمالي الشيخ الطوسي .

(4) حياة الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) : 3 / 341 عن مثير الأحزان .

(5) تأريخ الطبري: 4 / 388، تأريخ الخلفاء: 208.

(6) للمزيد من التفصيل راجع ثورة الحسين (النظرية، الموقف، النتائج) للسيّد محمد باقر الحكيم :100.

(7) تاريخ الطبري: 4 / 426، 449.

(8) المصدر السابق: 4 / 464.

(9) المصدر السابق: 4 / 487.

(10) مقاتل الطالبيين: 135.

(11) المصدر السابق: 523.

 

 
 

الحج إلى بيت الله الحرام هو أحد الفرائض الإلهية التي افترضها الله عزّ وجل على المسلمين لمن استطاع منهم إليه سبيلاً، فقال في كتابه المجيد: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)، وهو أحد الأركان والدعائم التي بني عليها الإسلام، فقد ورد عن الإمام محمد بن علي الباقر "عليه السلام" أنّه قال: (بني الإسلام على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية).

وقد أشارت الروايات الواردة عن أهل بيت العصمة عليهم الصلاة والسلام إلى الثواب والأجر الكبير والفضل العظيم للحج بقسميه الواجب والمستحب، ففي صحيحة معاوية بن عمّار عن الإمام جعفر بن محمد الصادق "عليه السلام" قال: (الحجاج يصدرون على ثلاثة أصناف صنف يعتق من النار، وصنف يخرج من ذنوبه كهيئة يوم ولدته أمّه، وصنف يحفظ في أهله وماله، فذاك أدنى ما يرجع به الحاج).

وينبغي التنبيه هنا أن ما ورد في هذه الرواية وغيرها من أن الله تعالى يغفر للحاج ذنوبه ليس معناه أنه لا يجب عليه قضاء ما فاته من صلاة وصيام وأداء ما علق بذمته من كفارات، وإنما معناه أنه إذا تاب لا يعاقب على ما صدر منه من ترك واجب أو فعل حرام وأما ما يلزمه من القضاء والكفارة ونحو ذلك فلابد من الإتيان به.

كما حذّرت الشريعة الإسلامية من ترك هذه الفريضة، ففي صحيحة ذريح المحاربي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق "عليه السلام" قال: (من مات ولم يحج حجة الإسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق به الحج أو سلطان يمنعه فليمت يهودياً أو نصرانياً).

وفي الخبر الموثق عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله "عليه السلام" يقول: (من مات وهو صحيح موسر لم يحج فهو ممن قال الله عزّ وجل [ونحشره يوم القيامة أعمى] ...).

ولا يجب الحج على المسلم المستطيع إلاّ مرة واحدة طول عمره ويسمى حجه هذا بحجة الإسلام.

 
 

من الأساليب المتبعة عند بعض الآباء والأمهات لجوؤهم إلى ضرب أبنائهم إذا ما ارتكبوا خطأً بحجة تأديبهم، يضربونهم ضرباً مبرحاً، وبالمقدار الذي يحدده الأب أو الأم، وهذه طريقة خاطئة وأسلوب منهي عنة شرعاً، وهنا مجموعة من المسائل لا بد من الإشارة إليها:

الأولى: لا يجوز اللجوء إلى الضرب إذا كانت هناك وسيلة أخف من الضرب تفي بالغرض لردع الابن عن تصرفاته الخاطئة وتحقق نفس الغرض الذي يحققه الضرب.

الثانية: يجوز للأب أو المأذون من قبله ضرب الطفل في مقام التأديب فقط، أما غير الأب أو المأذون من قبله فلا يجوز له أن يضربه حتى الأم والمدرس إلا أن يأذن الأب لهما بذلك.

الثالثة: أن يكون الضرب في مقام التأديب فلو كان لسبب آخر كالتشفي فلا يجوز وبشرط أن لا يتعدى ثلاث ضربات.

الرابعة: أن لا يكون الابن بالغاً، فالمرجع الديني آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني يحتاط بالاحتياط الوجوبي على عدم جواز ضرب البالغ.

الخامسة: أن لا يكون الضرب ضرباً مبرحاً بحيث يولد احمراراً أو ازرقاقاً أو اسوداداً فلو خلف شيئاً من ذلك فتجب الدية على الضارب سواء كان الأب أو المأذون من قبله أو غيرهما.

 
 

من أبرز خصوصيات الإمام علي بن موسى الرضا "عليه السلام" انقطاعه إلى الله تعالى، وتمسكه به.

وقد ظهر ذلك في عبادته التي مثلت جانباً كبيراً من حياته الروحية التي هي نور وتقوى وورع.

يقول بعض جماعته "عليه السلام": ما رأيته قط إلا ذكرتُ قوله تعالى: (كَانُوا قَلِيلاً من اللَّيلِ مَا يَهجَعُونَ) الذاريات: 17.

ويقول الشبراوي عن عبادته "عليه السلام": إنه كان صاحب وضوء وصلاة، وكان "عليه السلام" في ليله كُلِّهِ يتوضأ ويصلي ويرقد، وهكذا إلى الصباح.

وقد كان الإمام "عليه السلام" أتقى أهل زمانه، وأكثرهم طاعة لله تعالى.

فيروي رجاء بن أبي الضحَّاك عن عبادة الإمام "عليه السلام" -وكان المأمون قد بعثه إلى الإمام "عليه السلام" ليأتي به إلى خُراسان، فكان معه من المدينة المنورة إلى مرو -يقول: (والله ما رأيت رجلاً كان أتقى لله منه "عليه السلام"، ولا أكثر ذِكراً له في جميع أوقاته منه، ولا أشد خوفا لله عزَّ وجلَّ.

كان "عليه السلام" إذا أصبح صلَّى الغداة، فإذا سلَّم جلس في مُصَلاَّه يُسَبِّح الله، ويحمده، ويُكبِّره، وَيُهَلِّله، ويصلي على النبي وآله "صلى الله عليه وآله" حتى تطلع الشمس.

ثم يسجد "عليه السلام" سجدةً يبقى فيها حتى يتعالى النهار، ثم يقبل على الناس يحدثهم، ويعظهم إلى قُرب الزوال، ثم جدد وضوءه، وعاد إلى مُصَلاَّه.

فإذا زالت الشمس قام "عليه السلام" وصلى ست ركعات، ثم يؤذّن، ثم يصلي ركعتين، ثم يقيم ويصلي الظهر، فإذا سَلَّم سَبَّح الله وحمده، وكبره، وهَلَّله ما شاء الله.

ثم يسجد "عليه السلام" سجدة الشكر ويقول فيها مائة مرة: شكراً لله، فإذا رفع رأسه قام فصلى ست ركعات، ثم يؤذن.

ثم يصلي "عليه السلام" ركعتين فإذا سلم قام وصلى العصر، فإذا سَلَّم جلس في مُصَلاَّه يسبح الله، ويحمده، ويكبِّره، ويُهَلِّله، ثم يسجد سجدة يقول فيها مائة مرة: حَمْداً لله.

فإذا غابت الشمس توضأ "عليه السلام" وصلَّى المغرب ثلاثاً بأذان وإقامة، فإذا سلَّم جلس في مُصلاَّه يُسبِّح الله، ويحمده، ويُكبِّره، ويُهَلِّله ما شاء الله، ثم يسجد سجدة الشكر، ثم يرفع رأسه ولا يتكلم حتى يقوم ويصلي أربع ركعات بِتَسلِيمَتَين، ثم يجلس بعد التسليم في التعقيب ما شاء الله حتى يُمسِي.

ثم يفطر "عليه السلام"، ثم يَلبث حتى يَمضي من الليل قريب من الثلث، ثم يقوم فيصلي العشاء والآخرة أربع ركعات، فإذا سَلَّم جلس في مُصَلاَّه يذكر الله عزَّ وجلَّ، ويُسبِّحه، ويحمده، ويُكبِّره، ويُهَلِّله ما شاء الله، ويسجد بعد التعقيب سجدة الشكر ثم يأوي إلى فراشه.

وإذا كان الثلث الأخير من الليل قام "عليه السلام" من فراشه بالتسبيح، والتحميد، والتكبير، والتهليل، والاستغفار، فَاسْتَاكَ ثم توضأ، ثم قام إلى صلاة الليل، ويصلي صلاة جعفر بن أبي طالب، ويحتسب بها من صلاة الليل، ثم يصلي الركعتين الباقيتين.

ثم يقوم "عليه السلام" فيصلي ركعتَي الشفع، ثم يقوم فيصلي الوَتْر، ويقول في قنوته: (اللَّهم صَلِّ على محمد وآل محمد، اللَّهم اهدِنَا فيمن هديت، وعَافِنَا فيمن عافيت) .

ثم يقول "عليه السلام": (أستغفرُ الله وأسألُه التوبة)، سبعين مرة، وإذا قرب الفجر قام فَصلَّى ركعتَي الفجر، فإذا طلع الفجر أَذَّن وأقامَ وصَلَّى الغداة ركعتين، فإذا سَلَّم جلس في التعقيب حتى تطلع الشمس، ثم سجد سجدة الشكر حتى يتعالى النهار.

فهذه هي صلاة الإمام الرضا "عليه السلام" المفروضة ونوافلها، والتعقيبات التي يؤديها.

ومعنى ذلك أنه "عليه السلام" كان في أغلب أوقاته مشغولاً بعبادة الله، فإنه "عليه السلام" قد سَرى حُبُّ الله في قلبه، وتفاعل في عواطفه ومشاعره حتى صار عنصراً من عناصره، وخصوصية من خصوصياته "عليه السلام".

 

 
 

لقد تلقى الإمام جعفر بن محمد الصادق "عليه السلام" العلوم والمعارف عن آبائه عن جدّهم رسول الله "صلى الله عليه وآله"، وقام بمهماته الشرعية كإمام مسؤول عن نشر الشريعة وحفظ أصالتها ونقائها، وهو في ظل أبيه الإمام محمد بن علي بن الحسين الباقر "عليه السلام"، فقد ساهم مع أبيه الباقر "عليه السلام" في تأسيس جامعة أهل البيت في المسجد النبوي الشريف، وقاما بنشر العلم والمعرفة، وبثّها بين الفقهاء والمفسرين والمحدثين، ورواد العلوم المختلفة، فكان العلماء ومشايخ العلم ورواد المعرفة يفدون عليهما وينهلون من موردهما العذب، حتى لم يؤخذ عن أحد من أئمة المسلمين من العلوم ومعارف الشريعة، كالتفسير والحديث، والعقيدة والأخلاق ... الخ كما أخذ عن الإمامين الباقر وولده الصادق "عليهما السلام"، فعليهما تتلمذ أئمة الفقه، وعنهم أخذ رواة الحديث وبهم استطال ظل العلم والمعرفة، لذلك نجد العلماء والفقهاء والمحدثين والفلاسفة والمتكلمين وعلماء الطبيعة وغيرهم يشهدون بمجد الإمام الصادق "عليه السلام" العلمي، ويشيدون بمقامه.

قال الشيخ المفيد "رحمه الله" : ( وكان الصادق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين "عليه السلام" من بين أخوته خليفة أبيه محمد بن علي "عليه السلام"، ووصيه القائم بالإمامة من بعده، وبرز على جماعتهم بالفضل، وكان أنبههم ذكراً وأعظمهم قدراً، وأجلّهم في العامة والخاصة، ونُقل عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر ذكره في البلدان ولم ينقل عن أحد من أهل بيته العلماء ما نقل عنه، ولا لقي أحد منهم من أهل الآثار ونقلة الأخبار، ولا نقلوا عنهم كما نقلوا عن أبي عبد الله "عليه السلام" فإن أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة الثقاة على اختلافهم في الآراء والمقالات، فكانوا أربعة آلاف رجل) (1).
ونقل المحقق العلامة السيد محسن الأمين:
(... إن الحافظ ابن عقدة الزيدي جمع في كتاب رجاله أربعة آلاف رجل من الثقاة الذين رووا عن جعفر بن محمد فضلاً عن غيرهم، وذكر مصنفاتهم ... ) (2).
ونقل أيضاً:
(.. روى الكشي في رجاله بسنده عن الحسن بن علي الوشاء في حديث أنه قال: أدركت في المسجد (يعني مسجد الكوفة) تسعمائة شيخ كل يقول حدثني جعفر بن محمد، وكان "عليه السلام" يقول: حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث أبيهن وحديث أبيه حديث علي بن أبي طالب وحديث علي حديث رسول الله، وحديث رسول الله قول الله عزّ وجل) (3).
ونقل ابن شهراشوب في كتابه مناقب آل أبي طالب عن كتاب (الحلية) لأبي نعيم ما نصه:
(قال عمرو بن المقدام: كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت أنه من سلالة النبيين، ولا تخلو كتب أحاديث وحكمة وزهد وموعظة من كلامه، يقولون: قال جعفر بن محمد الصادق، قال جعفر الصادق) (4).
ونقل أيضاً في:
(حلية أبي نعيم، أن جعفر الصادق حدّث عنه من الأئمة والأعلام: مالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، وابن جريح، وعبد الله بن عمر، وروح بن القاسم، وسفيان بن عيينة، وسليمان بن بلال، وإسماعيل بن جعفر، وحاتم بن إسماعيل، وعبد العزيز بن المختار، ووهب بن خالد، وإبراهيم بن طحان وآخرون، قال: وأخرج عنه مسلم في صحيحه محتجاً بحديثه، وقال غيره: وروى عنه مالك والشافعي والحسن بن صالح وأبو أيوب السجستاني وعمر بن دينار، وأحمد بن حنبل. وقال مالك بن أنس: ما رأت عين، ولا سمعت أذن، ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر الصادق فضلاً وعلماً وعبادةً وورعاً) (5).
ووصفه المؤرخ المشهور اليعقوبي فقال:
(وكان أفضل الناس وأعلمهم بدين الله، وكان أهل العلم الذين سمعوا منه إذا رووا عنه، قالوا: أخبرنا العالم) (6).
وتحدّث الأستاذ محمد فريد وجدي صاحب دائرة معارف القرن العشرين عن إمام المسلمين جعفر بن محمد الصادق "عليه السلام" فقال: (أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب هو أحد الأئمة الاثني عشر على مذهب الإمامية، كان من سادات أهل البيت النبوي، لقب بالصادق لصدقه في كلامه، كان من أفاضل الناس، وله مقالات في صناعة الكيمياء) (7).
ثم أضاف قائلاً: (.. وكان تلميذه أبو موسى جابر بن حيان الصوفي الطرسوسي قد ألف كتاباً يشتمل على ألف ورقة تتضمن رسائل جعفر الصادق، وهي خمسمائة رسالة) (8).
وتحدث أبو الفتح الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل) عن الإمام الصادق "عليه السلام" فقال: (وهو ذو علم غزير في الدين، وأدب كامل في الحكمة، وزهد بالغ في الدنيا، وورع تام عن الشهوات، وقال: وقد أقام بالمدينة يفيد الشيعة المنتمين إليه، ويفيض على الموالين له أسرار العلوم، ثم دخل العراق وأقام بها مدة ما تعرض للإمامة –أي للسلطة-قط، ولا نازع أحداً في الخلافة (قال) ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط، ومن تعلّى ذروة الحقيقة لم يخف من حط ...) (9).
وتحدث الأستاذ محمود أبو زهرة شيخ الأزهر عن الإمام الصادق في مقدمة كتابه (الإمام الصادق) فقال:
( أما بعد فإننا قد اعتزمنا بعون الله وتوفيقه أن نكتب عن الإمام جعفر الصادق، وقد كتبنا عن سبعة من الأئمة الكرام، وما أخرنا الكتابة عنه لأنه دون أحدهم، بل أن له فضل السبعة على أكثرهم، وله على الأكابر منهم فضل خاص، فقد كان أبو حنيفة يروي عنه، ويراه أعلم الناس باختلاف الناس، وأوسع الفقهاء إحاطة، وكان الإمام مالك يختلف إليه دارساً راوياً، وكان له فضل الأستاذية على أبي حنيفة ومالك فحسبه ذلك فضلاً، ولا يمكن أن يؤخر عن نقص، ولا يقدم غيره عليه عن فضل، وهو فوق هذا حفيد علي زين العابدين "عليه السلام" الذي كان سيد أهل المدينة في عصره فضلاً وشرفاً وديناً وعلماً، وقد تتلمذ له ابن شهاب الزهري، وكثيرون من التابعين وهو ابن محمد الباقر الذي بقر العلم ووصل إلى لبابه، فهو ممن جمع الله تعالى له الشرف الذاتي والشرف الإضافي، بكريم النسب، والقرابة الهاشمية والعترة المحمدية ... ) (10).
_____________________
(1) الشيخ المفيد/ الإرشاد ص 370.
(2) السيد محسن الأمين/أعيان الشيعة/ ج3/ص 34/ط/1964م.
(3) المصدر السابق.
(4) ابن شهراشوب – مناقب آل أبي طالب – ج3 ص 372.
(5) المصدر السابق.
(6) أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب، تاريخ اليعقوبي، ج3 ص 119.
(7) محمد فريد وجدي، دائرة معارف القرن العشرين، ج3 ص 109.
(8) المصدر السابق.
(9) نقلاً عن الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي، المراجعات/ ص 222.
(10) محمد أبو زهرة - الإمام الصادق ص 3.
 
 

إن أعياد الأمة الإسلامية هي أعياد سنّها الله سبحانه وتعالى لعباده وحددها لهم، فهي أعيادٌ مرتبطةٌ به سبحانه، ولما أن كان العيد الإسلامي مرتبطاً بالسماء، ومسنوناً من قبل الله، لذا لا بدّ أن تكون الممارسات التي يمارسها المسلم في يوم العيد منسجمة انسجاماً كاملاً مع هذه المناسبة الربانية، فلا ينبغي للمسلم أن يعتبر هذا اليوم يوم لهو ولعب وإنما هو يوم عبادة ويوم تقرّب إلى الله سبحانه وتعالى.
ولا نعني بالعبادة هنا المعنى الخاص للعبادة فقط، وهو ممارسة بعض الطقوس الدينية من صلاةٍ ودعاءٍ وقراءة القرآن وما شابه ذلك، وإنّما نقصد من العبادة معناها العام، فكل فعل يُقرب العبد من الله سبحانه وتعالى فهو عبادة .
إذاً فالعيد من وجهة النّظر الإسلامية هو امتداد للطاعات لا أنه خروج عنها، فيأتي عيد الفطر بعد عبادة الصوم، وعيد الأضحى يأتي أثناء ممارسة جماعة من المسلمين لعبادة الحج .. وعليه فإن هناك بعض الأعمال التي تندرج تحت مفهوم العبادة يمكن للمسلم أن يمارسها في يوم العيد تقرّباً إلى الله سبحانه وتعالى .. منها :-
صلة الأرحام:
فإن صلة الأرحام من الأمور الواجبة التي أوجبها الله سبحانه وتعالى على عباده في كتابه وعلى لسان نبيّه "صلى الله عليه وآله" فالإنسان مكلف بأن يصل رحمه .. وأما صور صلة الرحم فعديدة تشمل زيارتهم وتفقد أحوالهم، والإنفاق على الفقير منهم، وقضاء حوائجهم، وأقلّها السلام عليهم والدعاء لهم .. والعيد فرصة للمسلم لكي يقوم بهذا الواجب، فيصل فيه أرحامه بزيارتهم والسلام عليهم لأن ذلك مما يوجب إدخال السرور عليهم ومجرد إدخال السرور عليهم أمر يثاب عليه العبد، إضافة إلى حصوله على ثواب امتثاله لأمر الله له بصلة رحمه.
إن البعص استعاظ عن زيارته لأرحامه وأقاربه في أيام الأعياد بإرسال الرسائل عبر الهاتف المحمول إليهم، أو بالاتصال بهم هاتفيّاً، بل ربما أصبح هذا الأمر ظاهرة يمارسه الكثيرون، وهذا وإن كان جيّداً، ولا بأس به لمن كان يسكن بعيداً عنهم، وتمنعه الموانع والظروف من الوصول بنفسه إليهم، لكن لا ينبغي ذلك لمن يستطيع الوصول إليهم وزيارتهم بالحضور بنفسه إليهم في منازلهم وأماكن تواجدهم .. فإن الأثر الإيجابي الذي تخلّفه الصلة بالنفس على نفوس الأرحام والأقارب كبيرٌ جداً لا يمكن أن يحصل بالاتصال بهم أو بإرسال الرسائل إليهم ..
التصدق والانفاق على المحتاجين:
فإن من الأمور التي تندرج تحت مفهوم العبادة والتي ينبغي للمسلم ممارستها في مختلف الأوقات ولا سيما في يوم العيد هو الصدقة والإنفاق على الفقراء والمساكين، والمحتاجين من الأرامل واليتامى، فإن الصدقة والإنفاق على هؤلاء الأصناف مستحب، فهو بهذا يدخل السرور عليهم في يوم هو يوم فرح وسرور للمسلم، وثواب ادخال الفرح على الفقراء واليتامى والأرامل ثوابه عظيم، فيروى أن النبي "صلى الله عليه وآله" قال: (إنّ في الحنة داراً يقال لها دار الفرح لا يدخلها إلاّ من فرّح يتامى المؤمنين).
ويتأكد استحباب الصدقة على الأقارب وذوي الرحم، فثوابها يتصاعف لأنّها صدقة وصلة، فعن النبي "صلى الله عليه وآله" أنه قال: (صدقة ذي الرّحم على ذي الرّحم صدقة وصلة) وفي رواية أخرى عنه "صلى الله عليه وآله" قال: (إنّ الصدقة على ذي القرابة يضعّف أجرها مرتين).
عيادة المرضى :
وكذلك من الأمور المستحبة في الشريعة الإسلامية عيادة المرضى، فعيادة المرضى إذا قام بها العبد امتثالاً لأمر الشريعة الإسلامية التي تحث على عيادة المرضى وزيارتهم فلا شك يعتبر تقرّباً إلى الله سبحانه وتعالى، فهي فرصة من الفرص المتاحة للمسلم ليكسب من ورائها الثواب والقرب من الحق سبحانه، لا سيما وأنّ عيادة المريض في أيام العيد لها الأثر الطيب على نفس المريص، فهي مدعاة للتخفيف عنه وإدخال السرور والفرح والبهجة عليه، خصوصاً وهو راقد على سرير المستشفى حيث منعه المرض من مشاركة أسرته وأهله وأصدقائه فرحتهم بالعيد .. فيتضاعف الثواب إذا ما حصلت الزيارة في هذه المناسبة .. علماً أنّ لعيادة المرضى ثواب كبير وعظيم، فعن النبي الأعظم "صلى الله عليه وآله" : (عائد المريض يخوض في الرحمة)، وعن الإمام الصادق "عليه السلام" : (من عاد مريضاً شيّعه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يرجع إلى منزله).
وأخيراً نقول: إنّ الإنسان في يوم العيد يلبس الملابس الجديدة النظيفة ويظهر أمام الآخرين بالمظهر الحسن الجميل، ولكن عليه أيضاً أن لا ينسى التلبس بلباس التقوى ليظهر في جانبه المعنوي جانب النفس والروح بالمظهر الجميل والحسن أيضاً: (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم وريشاً ولباس التقوى ذلك خير ...) .
 
 

إذا ذكر الزهد، يذهب التصور بك إلى شخص علي بن أبي طالب "عليه السلام" تلقائياً، فكان الزهد من أبرز صفاته، وأكثرها شيوعاً بعد شجاعته "عليه السلام".

عن عمّار بن ياسر "رضي الله عنه" قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وآله" لعلي "عليه السلام": (إن الله قد زينك بزينة لم يزيّن العباد بزينة أحب منها، هي زينة الأبرار عند الله: الزهد في الدنيا، فجعلك لا ترزأ – تعيب – من الدنيا ولا ترزأ منك شيئاً، ووهبك حب المساكين، فجعلك ترضى بهم أتباعاً، ويرضون بك إماماً).
البيت واللباس والمعاش كلها عند علي "عليه السلام" لا تساوي شيئاً، بل الدنيا بكل ما فيها من زينة وملذات وسلطة وحتى امرة الناس لا تساوي شيئاً يذكر عنده إلا أن يقيم عدلاً، ويدفع بها عن مظلوم ظلم.
روي عن الإمام الباقر "عليه السلام" أنه قال في وصف علي "عليه السلام":
(ولقد ولي خمس سنين وما وضع آجرة على آجرة ولا لبنة على لبنة، ولا أقطع قطيعاً ولا أورث بيضاً ولا حمراً).
وروي عن الإمام الصادق "عليه السلام" أنه يقول في جدّه علي "عليه السلام":
(كان أمير المؤمنين أشبه الناس طعمة برسول الله "صلى الله عليه وآله" يأكل الخبز والخل والزيت ويطعم الناس الخبز واللحم).
وعن عمر بن عبد العزيز قال:
(ما علمنا أن أحداً كان في هذه الأمة بعد رسول الله "صلى الله عليه وآله" أزهد من علي بن أبي طالب، ما وضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة).
وعن الأحنف بن قيس قال:
(دخلت على معاوية، فقدم إليّ من الحلو والحامض، ما كثر تعجبي منه، ثم قال: قدموا ذلك اللون، فقدموا لوناً ما أدري ما هو ...!
فقلت: ما هذا؟
فقال: مصارين البط محشوة بالمخ ودهن الفستق قد ذر عليه السكر !!
قال الأحنف: فبكيت.
فقال معاوية: ما يبكيك؟
فقلت: لله در ابن أبي طالب "عليه السلام" لقد جاد من نفسه بما لم تسمع به أنت ولا غيرك ! قال معاوية: وكيف؟
قلت: دخلت عليه ليلة عند إفطاره.
فقال لي: قم فتعشّ مع الحسن والحسين، ثم قام إلى الصلاة، فلما فرغ دعا بجراب مختوم بخاتمه فأخرج منه شعيراً مطحوناً، ثم ختمه.
فقلت: يا أمير المؤمنين لم أعهدك بخيلاً، فكيف ختمت على هذا الشعير؟
فقال: لم أختمه بخلاً، ولكن خفت أن يبسَّه الحسن والحسين بسمن أو إهالة !
فقلت: أحرام هو ؟
قال: لا، ولكن على أئمة الحق أن يتأسوا بأضعف رعيتهم في الأكل واللباس، ولا يتميّزون عليهم بشيء لا يقدرون عليه ليراهم الفقير، فيرضى عن الله تعالى بما هو فيه، ويراهم الغني فيزداد شكراً وتواضعاً).
وعن سويد بن غفلة قال: دخلت على علي "عليه السلام" بالكوفة، وبين يديه رغيف من شعير، وقدح من لبن، والرغيف يابس، فشقّ عليّ ذلك.
فقلت لجارية له يقال لها فضة: ألا ترحمين هذا الشيخ، وتنخلين له هذا الشعير.
فقالت: ... إنه عهد إلينا أن لا ننخل له طعاماً قط.
فالتفت الإمام "عليه السلام" إليّ وقال: ما تقول لها يا ابن غفلة، فأخبرته..
وقلت: يا أمير المؤمنين ارفق بنفسك.
فقال لي: ويحك يا سويد، ما شبع رسول الله "صلى الله عليه وآله" وأهله من خبز بُرٍّ ثلاثاً تباعاً حتى لقي الله، ولا نخل له طعام قط ...).
وعن سفيان الثوري عن عمرو بن قيس قال: رؤي على علي "عليه السلام" إزار مرفوع، فعوتب في ذلك.
فقال: يخشع له القلب ويقتدي به المؤمن.
وعن الغزالي يقول: (كان علي بن أبي طالب "عليه السلام" يمتنع من بيت المال حتى يبيع سيفه، ولا يكون له إلا قميص واحد في وقت الغسل ولا يجد غيره).
وعلي بن أبي طالب "عليه السلام" يصف حاله في الزهد بدنيانا: (... فوالله ما كنزت من دنياكم تبراً، ولا ادخرت من غنائمها وفراً، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً، ولا حزت من أرضها شبراً، ولا أخذت منه كقوت أتان، ولهي في عيني أوهى وأوهن من عفصة مقرة) .
 
 

بسم الله الرحمن الرّحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، محمد وآله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه المنتجبين.

القراء الكرام ...

مع إطلالة شهر الخير والبركة والرحمة والعفو والمغفرة "شهر رمضان المبارك" يطل عليكم العدد الأول من المجلة الإلكترونية "عبقات الأنوار" .. وهي مجلة ثقافية تربوية اجتماعية يستمد كتابها أفكارهم من منبع الإسلام الأصيل .. القرآن الكريم وأحاديث النبي الأكرم "صلى الله عليه وآله" وأحاديث الأئمة الطاهرين من أهل بيت النبي عليه وعليهم الصلاة والسلام .. وهي أيضاً ذات طابع نقدي لبعض الرؤى والأفكار المنحرفة عن تعاليم الكتاب المجيد والسنة الشريفة في خصوص مجالات تخصصها.. بعيدة كل البعد عن التعصب لجهة أو فئة  معينة أو التعرّض بالتنقيص والاتهام لعلماء المسلمين من أي مذهب كانوا .. وإن انتقد كاتب من كتابها فكراً أو قولاً لأحد منهم فسيكون ذلك وفق النقد العلمي المبني على الأدلة والبراهين دون الجزاف من القول ..

وتسعى "عبقات الأنوار" من خلال مواضيعها بالدّعوة إلى الوحدة بين المسلمين وزرع روح الحب والأخوة والتواد والتفاهم بينهم ونبذ كل ما يدعو إلى الفرقة والتشرذم ..

وفي الختام نقول:

إن "مجلة عبقات الأنوار" لا تتحمل أي مسؤولية تجاه أي مقال أو بحث أو أي كلام ينشر من خلالها وإنما يتحمل كامل المسؤولية كاتبه ..

والله ولي التوفيق... 

 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لمجلة عبقات الأنوار © 2017م