العدد العشر- 1 رجب 1438 هـ | الأرشيف | الخميس 30 مارس 2017 م  
الرئيسية
الافتتاحية
معارف ومفاهيم
الأسرة والمجتمع
مواضيع متفرقة
واحة القراء
تواصل معنا
 
القائمة البريدية
 
عدد الزوار
18377
معارف ومفاهيم
 
أهمية الصلاة
[المشاهدات :1569] - [التعقيبات : 0]
 

أهمية الصلاة

بقلم: كفاح الحداد

تشكّل الصلاة رأس العبادات والأوامر الإلهية ومفتاح قبول الأعمال كلها والتأكيدات القرآنية والنبوية واضحة وجلية فقد قال تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) (البقرة/ 238).

(إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) (النساء/ 103)، وجاء في الحديث الشريف:

ليكن أكثر همك الصلاة فإنّها رأس الإسلام بعد الاقرار بالدين وأيضاً.

الصلاة عمود الدين إن قبلت قبل ما سواها وإن ردت رد ما سواها وأيضاً: إنما فرضت الصلاة وأمر بالحج والطواف واشعرت المناسك لإقامة ذكر الله فإذا لم يكن في قلبك للمذكور الذي هو المقصود والمبتغى عظمة ولا هيبة فما قيمة ذكرك.

وقد وردت الإشارات القرآنية الواضحة لأهمية الصلاة قال تعالى:

1- (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) (طه/ 14).

فالواضح هنا انّ الفائدة الروحية الأولى من الصلاة هو ذكر الله تعالى في أوقات متعددة من النهار كي لا يسهو العباد ويغفلوا من ذكر الله.

2- (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (العنكبوت/ 45).

وهذه هي غاية الصلاة العملية وهي مقياس قبول الصلاة وقد جاء في الحديث من لم تنهه صلاته عن منكر فلا صلاة له.

وقد ورد دلالات ومعاني كثيرة لبيان الفحشاء والمنكر منها:

الفحش في اللغة ما اشتد قبحه أي الأمر الشنيع.

وقد أشار القرآن الكريم إلى أمور كثيرة عدها من الفحشاء منها (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) (الأعراف/ 33).

ومنها في سورة يوسف (ع): (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) (يوسف/ 24).

وأيضاً عن الزنا (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا) (النساء/ 22).

أمّا المنكر فهو ما كان ضد المعروف وهو كل ما يرفضه العقل والمجتمع ولهذا مدح القرآن الكريم المؤمنين بالقول: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ) (الحج/ 41).

3-جعلت الصلاة العلامة الأولى لفلاح المؤمنين:

(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (المؤمنون/ 1-2).

وبالتالي فهي علامة الفرد المؤمن.

4-وجعلها تعالى علامة للإنسان المتقي.

(الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) (البقرة/ 1-3).

وعن لسان عيسى (ع): وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا.

6-وربطها تعالى بالقول الحسن وقولوا للناس حسناً واقيموا الصلاة.

7-وجعلها تعالى سبباً للربط بفعل الخيرات.

(وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ) (الأنبياء/ 53).

8-وأيضاً ارتبطت بالكف عن الظلم:

(كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) (النساء/ 77).

9-وقد شبهها رسول الله (ص) بالحمة التي تزيل الأوساخ والقذارة حيث قال: أرأيتم لو انّ أمام دار أحدكم نهراً يغتسل فيه في اليوم خمس مرات هل يبقى عليه شيء من الدرن.

10-وأيضاً عدت الصلاة واحدة من أسلحة المواجهة ففي الحديث "انّ الصلاة سلاح الأنبياء".

11-وعرفت الصلاة بأنّها قربان كل تقي والمقصود بالقربان انّه كل ما يتقرب به العبد من أعمال صالحة إلى ربه ليفوز بقربه الدائم ولهذا في النية (أصلي قربة إلى الله).

12-وأيضاً عدت الصلاة ميزان وفي الحديث:

 

- الصلاة ميزان من وفى استوفى:

وأيضاً (إذا قام المصلي إلى الصلاة نزلت عليه الرحمة من عنان السماء إلى عنان الأرض وحفت به الملائكة وناداه ملك لو يعلم هذا المصلي ما في الصلاة وما انفتل).

ومن هنا نجد الانذارات شديدة لتارك الصلاة بل انّ ترك الصلاة جعل بمثابة الشرك حيث قال تعالى: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الروم/ 31).

(فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ) (المدثر/ 40-47).

(فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) (القيامة/ 31-32).

 

- أهمية الصلاة صحياً:

يقول دالكيس كاريل في كتابه "الإنسان ذلك المجهول": إنّ الصلاة تحدث نشاطاً عجيباً في أجهزة الجسم بل هي أعظم مولد للنشاط عرف إلى يومنا هذا..

ويقول أيضاً.. إنّ الصلاة كمعدن الراديوم مصدر للإشعاع ومولد ذاتي للنشاط.. ولقد شاهدت تأثير الصلاة في مداواة أمراض مختلفة.

ويقول د. زهير رابح في كتابه "الاستشفاء بالصلاة": انّ الكورتيزون هو هورمون النشاط في جسم الإنسان يبدأ بالازدياد مع دخول وقت صلاة الفجر ويتلازم معه ارتفاع منسوب ضغط الدم ولهذا يشعر الإنسان بنشاط كبير بعد صلاة الفجر.

وعند صلاة المغرب يقل افراز الكورتيزون ويبدأ نشاط الجسم بالتناقص وذلك مع التحول من الضوء إلى الظلام. وهو عكس ما يحدث في صلاة الصبح تماماً فيزداد إفراز مادة الميلاتونين المشجعة عبر الاسترخاء والنوم فيحدث تكاسل للجسم وتكون الصلاة بمثابة محطة انتقالية.

كما انّ حركات الصلاة وبتتابع وشمولية لكل أعضاء الجسم تساعد على تنشيط الدورة الدموية وبصورة فعالة كما تخلص الجسم من الكسل والجمود.

وكلما زاد الخشوع في الصلاة كلما كان له الأثر الأكبر في تنمية القدرة الفكرية هذا ما أشار إليه د. عبد الحميد دياب في كتابه "مع الطب في القرآن الكريم" حيث يقول:

الخشوع وسيلة لتنمية ملكة حصر الذهن والتي يترتب عليها أكبر الأثر في نجاحه وفوزه ولتفسير ذلك نعرّف للقراء صفة ملكة حصر الذهن وأثرها في نجاح الإنسان بما قاله "وليم مولتون مارستن) الأخصائي بعلم النفس لأنّ القدرة على تركيز الخواطر تجري جري العادة عند كل رجل بارز في كل باب من أبواب الحياة ففي أيّة لحظة معيّنة يركز الرجل المتفوق خواطره كلها في العمل المفرد الذي يكون عليه أن ينهض به. وأكثرنا تنقصه هذه القدرة على التركيز ويحيده ويفسد عليه أمره الإضطراب والشواغل والأهواء المتعارضة ويقول: والعقل الإنساني يصبح أداة مدهشة إذا اركز ركيزاً قوياً حاداً.

ويقول في كيفية اكتساب هذه الصفة:

وهذه القدرة تكتسب بالمرانة والمرانة تتطلب الصبر فإنّ الانتقال من الشرود إلى حصر الذهن حصراً بيناً محكماً هو ثمرة الجهد المسلم فإذا استطعت أن ترد عقلك مرة بعد أخرى.. وخمسين.. فإنّ الخواطر التي تنازعك لا تلبث أن تخلي مكانها للموضوع الذي آثرته بالاختيار والعناية ثمّ تلقى نفسك آخر الأمر قادراً على حصر ذهنك بإرادتك فيما تختار.

وقد أوردنا هذا كله لنخلص إلى القول بأنّ الخشوع وخاصة في الصلاة هو واسطة لتنمية ملكة حصر الذهن عند الإنسان فالمصلي الذي يستطيع ويحاول بكل قدرته أن يحصر فكره طيلة وقت الصلاة وهو ما يسمى بالخشوع لا شك بأنّه تنمو عنده ملكة حصر الذهن وتصبح له أكبر معين في سائر الأعمال التي يزاولها:

وما يزيد هذه الفكرة تأييداً قول وليم مولتون أيضاً. وخير ما يمسك التفكير من الشرود والالتفات ويمنعه من أن يتوزع هو أن يعمل العقل والجسم معاً بالاتحاد فيما بينهما أو في الصلاة يعمل العقل والجسم معاً.

 

- الآثار التربوية للصلاة:

مما لا شكّ فيه انّ للصلاة كما هي الحال في سائر العبادات آثاراً إيجابية على الفرد نفسه وعلى المجتمع. فعلى الرغم من انّ الصلاة تساهم في إشباع حاجة الدين والارتباط بالمطلق والتي تمثل إحدى الحاجات الأساسية للفرد والتي سبب إهمالها في عصرنا الحالي خواء روحياً واضحاً أثر في نظرة الفرد إلى المجتمع وإلى الحياة مما سبب في أزمات نفسية حادة هي التي كانت وراء تزايد نسبة الأمراض النفسية والانتحار وغيرها.

انّ قيام الفرد للصلاة بين يدي خالقه يساهم في توفير الإشباع الذاتي لحاجة الانتماء الاجتماعي من خلال إحساسه بالانتماء إلى العقيدة الدينية ومشاركته ملايين المسلمين في أداء الفريضة.

وهذا مما يساعد في زوال أمراض الشعور بالحقارة والنقص والتي قد تتولد لدى الفرد نتيجة مهنة حقيرة أو طبقة متدنية وغيرها، وهذا يساهم في رفد الشعور بالمساواة لدى الفرد الأمر الذي يزيد من تقبله لذاته. ورضاه عن واقعة ويشجعه على البحث عن أسلوب التفاضل الواضح بين الناس ألا وهو التقوى، فبالتالي تكون للصلاة شرف عظيم لأنها تساهم في تحريره من الطواغيت والرؤساء والحكام ومن اسباغ نير العبودية لهؤلاء الذين هم دائماً في مقام النقص الواضح.

فهنا الانتماء الإلهي من خلال فريضة الصلاة وخاصة في صلاة الجماعة حيث يقف المسلمون سواسية كأسنان المشط دون فضل لعربي على أعجمي ولا أسود على أبيض إلّا بالتقوى وهذا ساهم في تعزيز المعنويات ودفع الفرد نحو استحصال مراتب إيمانية واضحة.

من ناحية أخرى يشعر المصلي بأنّه واحد من ملايين من البشر قد اتجهوا نحو مكان واحد لعبادة رب واحد وأداء عمل واحد هو الصلاة وهذا الشعور يقوي عنده الإحساس بالقوة والعزة رغم انّ الحالة الظاهرية العادية للمسلمين قد تعزز الشعور بالانكسار والوهن والتراجع.

وهذا الشعور بالقوة يذلل أمام الفرد المصلي الكثير من إحساسه بمواقع الضعف والجبن والوهن كما يجعله أمام بصيرة واحدة تقول انّ العزة لله جميعاً والعزة تأتي من التقوى والإيمان وإذا كان الهدف من العبادات هو تقوية رابطة العبد بالله من خلال تركه لأمور الدنيا مهما بلغت قيمتها والتفرغ لعبودية الله تعالى في أوقات محدودة لم يخترها الإنسان لنفسه إنما أرادها الله تعالى بهذه الصورة الثابتة منذ 14 قرناً من الزمان.. فهذه التقوية الإيمانية تشجع صاحبها على ترك المنكرات والقيام بالواجبات وعلى السير في نهج الطاعة.

فمن خلال العبودية يستشعر الفرد مدى حاجته إلى المطلق ويدرك أيضاً نقصه الذاتي وعدم قدرته على مقاومة الشيطان والأهواء الا بالالتجاء إلى حصن الله الحصين بمعنى أن تتحول الصلاة من مجرد طقوس وحركات جوفاء لا فائدة منها إلى عملية تطهير وغسل للقلب الداخلي من الخطايا والذنوب المتراكمة، ومالم تكن الصلاة هكذا فلا فائدة منها كما قال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ) (الماعون/ 4-5).

وقال أيضاً: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلا وَهُمْ كَارِهُونَ) (التوبة/ 54).

نفسياً: تعتبر الصلاة مدرسة سلوكية مهمة تعالج السلوك وتنفرد بنظامها الحركي والتعبدي لتصل إلى غاية أهدافها من اطمئنان النفس واستقرار العاطفة والوجدان والابتعاد عن الفحشاء والمنكر.. والصلاة هي الطريق نحو فقه التدين وهي الحافز نحو تعلم السلوكيات الصحيحة والفضائل المرغوبة، والابتعاد عن الأخلاق السيئة والتمسك بالخلق الحسن.

ثمّ انّ الصلاة تعتبر واحدة من العلاجات السلوكية والمعرفية لأنماط كثيرة من الأمراض النفسية فهي تزيل الاكتئاب عن طريق تلاوة القرآن الكريم فيها وما يبعثه من الطمأنينة، ثمّ هي تخفف حدة التوتر بأسلوب إيجابي عن طريق تغير الحركات من ركوع وسجود وغيره ثمّ هي متكررة 5 مرات في اليوم وهي تتخذ أوقات تصاعد الضغوط النفسية عبر محطات عديدة في اليوم وهذا ما يخفف هذه الأزمات القلبية والعصبية التي قد تهاجم المريض بسبب ضغوط نفسية شديدة.

لا ننسى انّ الاستعداد للصلاة هو أيضاً من عوامل تخفيف التوتر وتغيير الأجواء النفسية فالوضوء يقلل حدة الغضب ويخفف الاكتئاب والقلق وبالتالي فالاستعداد للصلاة بالوضوء مثلاً له أثر إيجابي نفسي بغض النظر عن الطهارة الواجبة.

وكثير من الأحيان يغير الفرد مكانه للصلاة وتغيير المكان في وقت واحد أيضاً يساهم في تقليل حدة الآثارات الحاصلة أو المهيجات النفسية بسبب المكان ثمّ التوجه بعيداً عن الناس وعدم التكلم معهم للحظات هو أيضاً من عوامل الخلوة النفسية التي تجعل الفرد يراجع نفسه أزاء الظروف المواجهة والتحديات. والتوجه للقبلة ولمكان واحد ثابت خالد مع الأزمان هو أمان لأهل الأرض وهو مقدس لدى الجميع، هو أيضاً من عوامل تعزيز الشعور بالأمن النفسي هو غاية مفقودة في زماننا تقريباً.

أيضاً تعتبر الصلاة من وسائل الضبط النفسي فربما هو جائع ولكنه يؤجل حاجته لما بعد الصلاة، وربما هو متوتر ويريد الدخول في عراك وخصام ولكن وقت الصلاة حان فيصلي فتكون الصلاة بمثابة عملية استرخاء تساهم في تخفيف حدة الضغط النفسي.

وأيضاً لتواترها مرات في اليوم فهي محطات استراحة لنفس في آفاق هادئة آمنة، وادعة بعيدة كل البعد عن الوضع المتأزم الذي ينذر بالاختناق.

وقد يرى البعض انّه من الصعب عليه أن يلتزم بأمر الصلاة على أوقاتها أو بأمر الحفاظ على مستلزماتها من طهارة المكان والملبس وغيره وهذه تجعل الفرد يزداد حرصاً على تطبيق المفاهيم والشعائر الإسلامية مما يقوي عنده الإرادة، فربما امرأة ضعيفة الإرادة ترى في ولدها الصغير حائلاً عن الصلاة بحجة التنجس وغيره وأخرى تحرص على أن تؤدي الصلاة رغم انّ لها أطفالاً صغاراً وطبعاً في الأمر مشقة ربما وعناء، ولكن هذه تقوي الإرادة وتزيد من الثبات كما أنها تساهم في تقوية بناء الشخصية وزيادة ثقتها بنفسها وقدرتها على الثبات أمام المتغيرات حالياً وأمام الشدائد مستقبلاً. وبالتالي فهي تساهم في إيجاد صحة نفسية جيِّدة وصالحة للفرد تنبثق هذه من معرفة الله تعالى وهو ركنها الله (معرفة الله عزّ وجلّ تمثل نقلة كبيرة في الصحة النفسية بل هي قمة القمم.. إذ انّ هدف الصحة النفسية هو الربانية والاطلاع على العظمة الإلهية وهو إدراك العجز عن إدراك كنه الذات الإلهية فالصحة النفسية في الإسلام إذن هي لحظات تأمل وتدبر وتفكر تورث في النفس إيماناً وصفاء ونقاء وقوة في اليقين.

الصحة النفسية هي الإمعان والتدقيق والتمحيص الذي يورث معرفة الله عزّ وجلّ فيصل إلى الفطنة والكياسة فينعم المرء بالسعادة في الدنيا والآخرة).

- الصلاة وحقوق الإنسان:

يرى الكثيرون انّ في الصلاة تدريباً على أمور كثيرة تنفع الإنسان في حياته.. ومنها:

1-التنظيم والتوقيت.. فهي 5 أوقات طرف النهار وأوله وآخره ووسطه والإنسان المنظم هو الإنسان الصالح اجتماعياً وسياسياً والصلاة عندما يؤذن الأذان فيسمعه المسلم وغير المسلم فيجتمع المسلمون للصلاة وبالتالي فتنظيم الوقت من أمور النجاح في الحياة بكل مرافقها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

2-في صلاة الجماعة يتم انتخاب الإمام وفق شروط وصفات خاصة وقد يرفض الفرد إمامة أخيه الذي قد يفتقد إلى الشروط ويرضى بإمامة الأحسن والأفضل وبالتالي فهي ترتيب وتدريب على اختيار الكفاءة السياسية والاجتماعية والحقوقية، وانّ اختيار الإكفاء هو ليس سبباً لقبول الأعمال العبادية بل لنجاح الأعمال الدنيوية، والمواصفات تعلم الفرد على السمات الواجب البحث عنها لدى اختيار الإكفاء للوظائف.

3-الصلاة فريضة على الرجل والمرأة على حد سواء والشروط العامة تقريباً واحدة ومثلما يكون الرجل أماما للرجل والمرأة فالمرأة أيضاً بإمكانها ان تكون اماما لمجموعة النساء وهذا تدريب على أمور:

1-القيادة وشروطها وأهمية الحفاظ على سماتها.

2- المسؤولية واحدة على كلا الجنسين عند تولي الكفاءة.

3-تساوي التكاليف والواجبات بين الجنسين وبالتالي تساوي الثواب والعقاب دليلاً على تساوي المقام الإنساني لكلا الجنسين فالرجل ليس أعلى من المرأة إنسانياً بهيئته البشرية ونوعه الذكوري إنما الاثنين يتفاضلان بالتقوى (إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات/ 13).

4-طرح المفهوم الصحيح للتحرر بأنّه تحرر ذاتي من كل أشكال الرق والاستعباد فالفرد إذا قام للصلاة بين يدي واحد مطلق وكذلك فعل الكثيرون فهم أحرار لأنّ العبودية لله تعني الارتقاء عن كل أشكال الاستغلال والرق والعبودية الدنيوية وهذا الارتقاء يشكل عاملاً مهماً من عوامل البناء النفسي للفرد فهو يدفعه نحو الإبداع بكل أشكاله ونحو المطالبة بحقوق الآخرين والدفاع عن المظلومين.

5-الصلاة تدريب على الديمقراطية.

والديمقراطية كنظام تمنح الفرد حرية الرأي والاختيار وفي الصلاة وخاصة صلاة الجماعة له الحق أن يبدي رأيه في القبول بإمامة فلان أو لا، وفي الصلاة في المكان الذي يختاره وربما يرفض مكاناً عاماً ويؤثر البيت لأسباب تتعلق بأمور نفسية واضحة ثمّ انّ هذه الديمقراطية تتضح من خلال ترك الأمور الدنيوية والذهاب للصلاة كحرية اختيار وحرية رأي ولهذا تلجأ الحكومات الظالمة إلى كبح هذه المفاهيم وتمنع الفرد من ترك العمل والتفرغ للصلاة كي تجرده من شعوره بالحرية الفردية التي هي مؤشراً واضحاً من مؤشرات الديمقراطية..

واختيار المساجد وتولية أمورها على مبادئ الشورى، ثمّ القيام بمشاريع فيها تنطلق من هذا الباب وكلها تشكل تدريبات سياسية.

6-الاهتمام بالطهارة البدنية:

وهذه تترك آثارها على الهيئة الاجتماعية فليس هناك قبولاً اجتماعياً لإنسان غير طاهر بدنياً أو ذو هيئة قذرة عليه التنظف والتطهر للصلاة وهذا يؤثر على الشرائح الاجتماعية عموماً وبالتالي يكون مظهر المجتمع مظهراً صحياً لا يؤثر على الفرد والواحد انما على عموم الأفراد وبالتالي فهي إحدى التدريبات الصحية الناجحة التي تأتي من باب الالزام والقبول.

ثمّ انّ الطهارة البدنية هي توجيه غير مباشر إلى طهارة ذاتية فالله لا ينظر إلى أجسادكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وبالتالي فإن مراقبة العبد لقلبه على الأقل وقت الصلاة 5 مرات يومياً يكون بمثابة عملية تصفية وتلقين نحو التطهير الباطني والذي أشارت إليه الآية الكريمة (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)، وبالتالي فكل العمليات الاجتماعية الهدامة كالغيبة والنميمة والحسد وغيرها هي عمليات مرفوضة اجتماعياً وهي واحدة من مساوئ الفحشاء والمنكر الذي إن بقي فهو مؤشر على عدم استيعاب مفاهيم الصلاة.

7-أوّل ما يتعلمه الأولاد من الدين الصلاة وهذا هو المنهج السلوكي المعاصر.. فإذا أصبح سلوك الأولاد الأوّل هو الصلاة فهذا هو الطريق نحو الله لأنّ الصلاة هي الوعاء الذي يحمل تعاليم الإسلام إلى المصلي بتلاوة القرآن. ثمّ هي تربية على روح الجماعة وعلى احترام حقوق الآخرين في المكان والوضوء والطهارة وغيرها، وعلى احترام الوقت والإحساس بقيمته. ليس هذا فحسب بل انها تعطيه هويته الواضحة التي يسير عليها مستقبلاً وهي هويته الإسلامية الصريحة وتعلمه أن يتخلى عن وقت اللعب والمتعة لما فيه رضا الله وهو الصلاة، وأن يهتم بتعلم أحكام الطهارة والنجاسة وغيرها كما انّها تبصره على ضرورة المشاركة الجماعية والتماسك الاجتماعي مع الآخرين.

8-تساهم الصلاة في تخفيف الآثار الحاصلة من السوانح الكونية كالخسوف والكسوف والزلازل على نفسية الأفراد فمن خلال قيامهم لصلاة الآيات مثلاً سوف يتبصرون بالأمور الكونية كما انّ التواصل الجماعي يساهم في تخفيف حدة الخوف لدى الأفراد.. بالإضافة إلى انّ التجمع البشري نفسه يكون فرصة لزيادة التحالف بين أفراد المجتمع الواحد.

9-الصلاة تساهم في تقوية الإحساس بالهوية الذاتية للأفراد وبالسعي للحفاظ عليها وهذه تعتبر واحدة من أهم معضلات الإنسان المسلم المعاصر في الحفاظ على الهوية وفي أداء ما تتطلبه منه كالصلاة على وقتها، وأداء الصلاة الواجبة الأخرى.. وبالتالي فللمسلمين علامات منها صلاتهم وهذا ما جعلهم يقومون ببناء المساجد في كل مكان حطوا فيه ليكون ذلك علامة على وجود هوية إسلامية واضحة وصريحة توجب الاحترام لها انطلاقاً من مواثيق حقوق الإنسان.

10-بعض الصلوات تعرف بحقوق الآخرين وكيفية احترامها مثل الصلاة على الميت التي تعلمنا بحقوق الموتى فهي ليست نهاية بترك الجسد مسجى على الأرض بل لابدّ من أداء حقوق الميت كاملة في التغسيل والتكفين والتحنيط والدفن والصلاة وغيرها وهي بالتالي تربية للآخرين على احترام حقوق الموتى.

11-هناك من الصلوات ما يزيد من التعرف بحقوق الجماعة مثل صلاة الاستسقاء والتي توجب على الأفراد المصلين التوجه بالدعاء والرجاء كي ينزل المطر. تعلم هؤلاء الأشخاص بأهمية التوجه نحو ذلك وأصل الصلاة من الصلة بين العبد وربه، وهي تقوي الروح المعنوية وروح الجماعة، وهي توجههم للتفكر بشؤون مجتمعاتهم وتحسينها.

 
تاريخ النشر: 2013/10/06
 
تقييم الموضوع: Facebook Twitter
 
 
أضف تعليقاً
الاسم
البريد الإلكتروني
التعليق
من
أرقام التأكيد Security Image
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لمجلة عبقات الأنوار © 2017م