العدد العشر- 1 رجب 1438 هـ | الأرشيف | الخميس 30 مارس 2017 م  
الرئيسية
الافتتاحية
معارف ومفاهيم
الأسرة والمجتمع
مواضيع متفرقة
واحة القراء
تواصل معنا
 
القائمة البريدية
 
عدد الزوار
17718
معارف ومفاهيم
 
معرفة الله تعالى
[المشاهدات :89] - [التعقيبات : 0]
 

 معرفة الله تعالى

السيد حسين نجيب محمد

 

عن الإمام علي "عليه السلام" أنّه قال:

(ما يسرّني لو متّ طفلاً وأُدخلت الجنّة ولم أكبر فأعرف ربّي) (١).

جاء في النّصوص الدينية أنّ الأطفال إذا ماتوا أدخلهم الله تعالى إلى الجنّة، ففي الحديث أنّ النبي موسى "عليه السلام" سأل رَبِّه: (أي الأعمال أفضل عندك؟ فقال الله تعالى: حبُّ الأطفال، فإنّي فطرتهم على توحيدي، فإن أُمتُّهم أدخلتهم برحمته جنتي) (٢).

لذلك فقد يتمنّى الكثير من النَّاس أنّهم قد ماتوا في الطفولة ولم يتعرّضوا للآلام والأحزان في حياتهم، إلاّ أنّ الإمام علي "عليه السلام" يبيّن لنا في هذه الكلمة القيّمة أنّ الهدف من الوجود ليس الجنّة، وإنّما شيء أعلى من ذلك، ألا وهو معرفة الله تعالى، وما قيمة الجنة من دون المعرفة؟

إنّ الجنة المشتملة على ملذّات الطعام والشراب هي درجة دانية، أمّا جنة المعرفة فهي أعلى الجنان، يقول تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (3).

وجاء في مناجاة الإمام زين العابدين "عليه السلام": (إلهي من ذا الّذي ذاق حلاوة محبّتك فرام منك بدلاً، ومن ذا الّذي أنس بقربك فابتغى عند حولاً).

ولا يعرف أهمّية نعمة جنّة المعرفة إلاّ من ذاق طعمها، أمّا غيره فلا يبالي بها، ومثله كالحيوان الّذي يأكل الحشائش ولا يعلم أنّ في الوجود طعاماً أفضل منه.

وللوقوف على شرح الحديث لا بدّ من بيان أهمّية المعرفة وثمرتها.

أهميّة المعرفة ونتائجها:

1-المعرفة ثمرة الحياة:

إنّ من أسوأ الأمور على الإطلاق هو أن يدخل الإنسان إلى عالم الدّنيا ثمّ يعيش عمراً طويلاً وينتقل بعده إلى العالم الآخر وهو جاهل بسرّ حياته وهدف وجوده، أمّا من عرف "من أين وفي أين وإلى أين" ومن عرف نفسه وربّه فقد حقّق الفوز في الدّنيا والآخرة.

عن الإمام الحسين "عليه السلام": "إنّ الله عزّ وجل ما خلق العباد إلاّ ليعرفوه فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه" (4).

2- المعرفة شكر للخالق:

من البديهي أنّ من يحضر وليمة فعليه أن يتعرّف على صاحبها حتّى يقوم بأداء شكره فكيف والإنسان يأكل ويشرب ويتنعّم في مُلك الله تعالى؟!

وهذا ما أشار إليه الحديث عن الإمام الصادق "عليه السلام": "ما أقبح بالرّجل يأتي عليه سبعون سنة أو ثمانون سنة يعيش في مُلك الله يأكل ويشرب من نعمة الله ولا يعرف حقَّ الله" (5).

3-المعرفة أوّل الدين:

عن الإمام علي "عليه السلام" أنّه قال: "أوّل الدين معرفته" فلو شبّهنا الدين ببناء مؤلف من جدران وأبواب ونوافذ وقواعد أساسيّة، فإنّ كلَّ ما في الدّين من عبادات ومعاملات وأخلاقيات إنّما يقوم على أساس وهو معرفة الله تعالى، فمعرفة الله تعالى أوّل الدّين ووسطه وآخره (6).

4-المعرفة كمال الإنسان:

إنّ من يصل إلى معرفة الله تعالى فإنّه يصير إلى مستوى الكمال، فيتجلّى بالعلم والقدرة وبالتالي لا يرى للدّنيا أيّة قيمة، عن الإمام الكاظم "عليه السلام" أنّه قال: "لو يعلم النّاس ما في فضل معرفة الله عزّ وجل ما مدّوا أعينهم إلى ما متع الله به الأعداء من زهرة الحياة الدّنيا ونعيمها، وكانت دنياهم أقلّ عندهم ممّا يطأُونه بأرجلهم ولنعموا بمعرفة الله عزّ وجل وتلذّذوا بها تلذّذ من لم يزل في روضات الجنان مع أولياء الله، إنّ معرفة الله عزّ وجل أنس من كل وحشة، وصاحب من كلّ وحدة، ونور من كلّ ظلمة، وقوّة من كلِّ ضعف، وشفاء من كل سقم" (7).

النتيجة:

يستفاد مما تقدم أمورٌ:

أ-إنّ الإنسان يدخل إلى الدّنيا ليتكامل ويصل إلى معرفة الله تعالى الّتي هي ثمرة الوجود، أمّا الّذي يموت طفلاً فإنّه لا ينال هذه النتيجة في دار الدّنيا، وبالتالي فإنّ مستواه في الآخرة أقلّ من مستوى الكبير.

ب-إنّ معرفة الله تعالى هدف الوجود وكمال الإنسان فمن وصل إلى هذه الدرجة لا ينطر إلى ما دونها، ولذا فإنّ الأولياء "عليهم السلام" (لا) يجعلون هدفهم الجنّة فحسب بل لهم همٌّ أكبر من ذلك وهو معرفة الله تعالى، ولذا كان الإمام علي "عليه السلام" يفضّل الجلوس في المسجد على الجلوس في الجنّة ويقول: "الجلوس في المسجد مرضاة ربّي، وفي الجنّة مرضاة نفسي، ومرضاة ربّي أولى من مرضاة نفسي".

د-ضرورة القيام بواجب العبوديّة لله تعالى، ففي وصيّة الإمام علي "عليه السلام" لولده الحسن "عليه السلام" أنّه قال: "فإذا عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك أن يفعله في صغر خطره، وقلّة مقدرته، وكثرة عجزة، وعظيم حاجته إلى ربّه في طلب طاعته والخشية من عقوبته والشفقة من سخطه".

ج- أن يرى العبد ما يجري في الكون وما يجري عليه من أحوال إنّما هو في سبيل هدف الوصول إلى معرفة الله تعالى، فإذا تنفّس الصبح فهو تذكير بالله، وإذا أصيب بوجع في رأسه فهو تذكير بالله تعالى، وهكذا بقيّة الأمور.

________________________________

(١) موسوعة الإمام علي "عليه السلام": ج١٠، ص ٦٩.

(٢) كلمة الله: ص ٣٦.

(3) التوبة: 72.

(4) الأمثل: ج17، ص 134.

(5) سفينة البحار: مادة المعرفة.

(6) المواعظ والحكم لمطهري: ص 11.

(7) ميزان الحكمة: مادة "معرفة" ج3، ص 1886.

 

 
تاريخ النشر: 2017/03/13
 
تقييم الموضوع: Facebook Twitter
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لمجلة عبقات الأنوار © 2017م