العدد العشر- 1 رجب 1438 هـ | الأرشيف | الخميس 30 مارس 2017 م  
الرئيسية
الافتتاحية
معارف ومفاهيم
الأسرة والمجتمع
مواضيع متفرقة
واحة القراء
تواصل معنا
 
القائمة البريدية
 
عدد الزوار
17461
معارف ومفاهيم
 
الظلم.. أنواعه.. آثاره
[المشاهدات :111] - [التعقيبات : 0]
 

 الظلم.. أنواعه.. آثاره

الشيخ حسن عبد الله العجمي

قال رسول الله "صلى الله عليه وآله":

(الدواوين ثلاثة: فديوان لا يغفر الله منه شيئاً، وديوان لا يعبأ الله به شيئاً، وديوان لا يترك الله منه شيئاً، فأما الديوان الذي لا يغفر الله منه شيئاً فالإشراك بالله عز وجل، قال الله عز وجل: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ"(1)، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً قط فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً فمظالم العباد بينهم القصاص لا محالة) (2).

وقال الإمامُ أميرُ المؤمنين عليُّ بنُ أبي طالب عليه السلام:

(ألا وإن الظلمَ ثلاثةٌ: فظلمٌ لا يغفر، وظلمٌ لا يترك، وظلمٌ مغفورٌ لا يطلب، فأما الظلمُ الذي لا يغفر فالشركُ بالله، قال الله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ"، وأما الظلمُ الذي يغفر فظلمُ العبدِ نَفْسَهُ عند بعضِ الهنات، وأما الظلمُ الذي لا يترك فظلمُ العبادِ بعضهم بعضاً، ليس هو جرحاً بالمدى، ولا ضرباً بالسياط، ولكنه ما يستصغر ذلك معه) (3).

وعن الإمام الباقر "عليه السلام" قال:

(الظلم ثلاثة: ظلم يغفره الله، وظلم لا يغفره الله، وظلم لا يدعه الله، فأما الظلم الذي لا يغفره فالشرك، وأما الظلم الذي يغفره فظلم الرجل نفسه فيما بينه وبين الله، وأما الظلم الذي لا يدعه فالمداينة بين العباد) (4).

يعرّف الظلم بأنّه وضع الشيء في غير موضعه، فالمشرك بالله ظالم، لأنّه جعل الشرك مكان التوحيد، والعاصي ظالم، لأنّه جعل المعصية مكان الطاعة. والنبي الأكرم "صلى الله عليه وآله" والإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليه السلام" والإمام الباقر "عليه السلام" قسّموا الظلم إلى ثلاثة أقسام، أحدها الظلم الذي لا يغفره الله وهو الشرك به سبحانه، قال تعالى عن لسان لقمان ضمن موعظته لابنه: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، والشرك بالله يقع في مقامات عديدة، فيكون في مقام الذات الإلهية باعتقاد تعدد هذه الذات، وأن لهذا الكون أكثر من إله، ويكون في الصفات باعتقاد أنّ لله عزّ وجل صفات زائدة على ذاته، قال الإمام أمير المؤمنين في إحدى خطبه وهو بصدد تنزيه الحق سبحانه وتعالى عن كل شائبة نقص، ونفي أن تكون صفاته زائدة على ذاته: (وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله ... الخ) (5). ويكون في الأفعال باعتقاد وجود فاعل آخر مع الله عزّ وجل له الاستقلاليّة في التأثير في هذا الكون، وفي الأمور والأفعال. ويكون في الطاعة باعتقاد أنّ هناك من تجب طاعته مع الله كطاعته سبحانه ممن لم يأمر الله بطاعته وامتثال أمره. ويكون في مقام العبادة باعتقاد أنّ هناك من تجب عبادته مع الله أو من دون الله، فمن يؤمن بوجود إله أو آلهة مع الله، وبأنّ لله عزّ وجل صفاتاً زائدة على ذاته، أو من يعتقد بأنّ الموت والحياة والرّزق وغيرها من الأفعال المختصّة بالله صادرة عن غيره وبدون إذنه سبحانه، وأن هناك أحداً تجب طاعته كطاعة الله ممن لم يأمر الله بطاعته وأنّه شريك مع الله في الطاعة، وأنّ هناك من تجب عبادته غير الله، فمثل هذا الشخص الذي يعتقد بهذه العقائد يكون مشركاً بالله، وبالتالي فهو ظالم لأنّه جعل الشرك مكان التوحيد (6)، وهذا النوع من الظلم لا يغفره الله سبحانه وتعالى أبداً إلاّ أن يتوب العبد منه في هذه الحياة الدّنيا.

والنوع الثاني من أنواع الظلم، هو ظلم العبد لنفسه بارتكابه المعاصي والذنوب الصغيرة منها والكبيرة، من ترك صلاة، وصوم، وحج مع الاستطاعة، وعقوق الوالدين، وقطع الرحم، والغيبة، والنميمة، والكذب، والبهتان، واحتقار المؤمنين والاستهزاء بهم، وقذف المحصنات، والامتناع عن دفع الحقوق الشرعية من زكاة وخمس وغير ذلك من الذنوب والمخالفات الشرعية التي يرتكبها العباد بعدم الائتمار بالأوامر الإلهية والانتهاء عن النواهي الإلهية، وهذا النوع من الظلم قابلٌ للغفران، شريطة أن لا تكون الكبيرة كفراً أو شركاً بالله، لأنّه سبحانه لا يغفر لكافر كفره ولا لمشرك شركه إلاّ بالتوبة والعودة من الكفر والشرك إلى الاعتقاد بوجوده سبحانه وتوحيده في جميع مقامات التوحيد.

والنوع الثالث من أنواع الظلم هو ظلم العباد، بالاعتداء على الغير ماديّاً ومعنويّاً، كالاعتداء على الغير بقتله، أو ضربه، أو شتمه، أو سبّه، أو بهته، أو اغتيابه، أو بخسه حقّه، أو مصادرة أمواله، أو انتهاك عرضه، وما شابه ذلك من الظلمات القوليّة والفعليّة.. وهو النوع من الظلم الذي لا يدعه الله سبحانه وتعالى فإمّا القصاص أو الاسترضاء والعفو.

وحذرت الشريعةُ الإسلاميةُ من ظلمِ الآخرين قولاً وفعلاً وزجرت عنه أشدَّ الزجر، فيجب على المرء الاجتناب عنه؛ لأن آثارَهُ في العوالمِ الثلاثةِ (عالمِ الدنيا، وعالمِ البرزخ، وعالمِ الآخرة) خطيرةٌ وعظيمةٌ، قال الله تعالى: "وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ"(7)، وقال: "وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ"(8)، وقال عزّ من قائل: "وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ" (9) وقال: "إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ" (10)، وقال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليه السلام": (الظلمُ في الدنيا بوارٌ وفي الآخرةِ دمارٌ) (11).

فمن آثارِ الظلمِ الوضعيةِ وأنواعِ العقابِ الإلهي التي يتعرض لها الظالمُ في هذه الحياةِ الدنيا، أن الظلمَ سببٌ في زوال النعمِ عن العبد، قال الإمام علي "عليه السلام": (بالظلمِ تزول النعمُ) (12)، وأنه سبب في بتر عمرِ العبد فعنه أميرُ المؤمنين "عليه السلام": (من جارَ قُصِمَ عُمُرُهُ) (13)، إضافة إلى الكثيرِ من المصائبِ والمضايق التي يصيب الله عز وجل الظالم بها في هذه الحياة كعقابٍ له على ظلمه.

ومن آثارِ الظلمِ في عالمِ البرزخِ – وهي الفترةُ من يومِ الموتِ وإلى وقتِ الحشرِ – أنّه العبد الظالم يكون عرضة إلى العذاب والعقاب، ففي الرواية عن الإمام الصادق "عليه السلام" قال: (البرزخ: القبرُ، وفيه الثوابُ والعقابُ بين الدنيا والآخرة) (14)، فمن كان أعماله في الدنيا صالحةً تنعَمَ في قبرِهِ، وأمّا من كانت أعماله غيرَ صالحةٍ كالظلمِ مثلاً كان قبرُهُ – والعياذ بالله – حفرةً من حفرِ النيران، ففي الرّواية عن النبي الأكرم "صلى الله عليه وآله" أنّه قال: (القبرُ روضةٌ من رياضِ الجنةِ، أو حفرةٌ من حفرِ النيران) (15).

أمّا آثارُ الظلمِ في يوم القيامةِ فكثيرةٌ، فهو بئس الزادِ ليومِ المعاد، وفي الرواية عن النبي "صلى الله عليه وآله": ( ... وإياكم والظلم، فإن الظلمَ عند اللهِ هو الظلماتُ يومَ القيامة) (16)، فهو موجب إلى سخطِ اللهِ عزّ وجل ونقمتِهِ على عبدِهِ الظالم، وبالتالي فهو موجبٌ من موجباتِ الدخولِ إلى النار، والعياذ بالله، فعن النبيِّ "صلى الله عليه وآله": (إنّه ليأتي العبدُ يومَ القيامةِ وقد سرّته حسناتُهُ، فيجيء الرجلُ فيقول: يا ربّ ظلمني هذا، فيؤخذ من حسناتِهِ فيجعل في حسناتِ الذي سأله، فما يزال كذلك حتّى ما يبقى له حسنةٌ، فإذا جاء من يسأله نظر إلى سيئاته فجعلت مع سيئات الرجل، فلا يزال يستوفى منه حتى يدخل النار) (17).

وفي رواية أنّه "صلى الله عليه وآله" قال: (أتدرون من المفلس؟ قالوا المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع، قال "صلى الله عليه وآله": المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيقعد فيقتص هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته، قبل أن يقتص ما عليه من الخطايا أخذ من خطاياهم فطرح عليه ثم طرح في النار) (18). وفي يوم القيامة يواجه العبد عقبة على الصراط لا يجتازها عبدٌ بمظلمةٍ حتى يقتص منه، وهي من أصعبِ وأشدِّ العقباتِ التي يواجهها العبد في القيامة، فعنه "صلى الله عليه وآله" قال: (بين الجنّةِ والعبدِ سبعُ عقابٍ، أهونُها الموتُ، قال أنس: قلت: يا رسول الله فما أصعبُها؟ قال: الوقوفُ بين يدي الله عز وجل إذا تعلّق المظلومون بالظالمين) (19).

وعن الإمام الصادق "عليه السلام" في قول الله عزّ وجل: "إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ"(20)، قال: (قنطرة على الصراط لا يجوزها عبد بمظلمة) (21).

_____________________

(1) النساء: 48.

(2) المستدرك على الصحيحين 4/619.

(3) بحار الأنوار 7/271.

(4) الكافي 2/331.

(5) بهج البضاعة (شرح نهج البلاغة) 1/196 – 197.

(6) وتوحيد الله سبحانه وتعالى في المقامات المذكورة هو: أن يعتقد العبد بأن الله واحدٌ أحدٌ فردٌ صمدٌ لا إله إلاّ هو، وأنّ صفاته عين ذاته، وأنّه المستحقُّ للعبادة وهو من تجب طاعته في كلِّ أمره ونهيه، وإن كان هناك من أحد أوجبت الشريعة طاعته فإنما هو بأمر منه سبحانه، وأنّه سبحانه هو الفاعل في الكون والمؤثر فيه فهو سبحانه مسببُ الأسباب.

(7) البقرة: 258.

(8) آل عمران: 57.

(9) الحج: 53.

(10) يوسف: 23.

(11) ميزان الحكمة 2/1770.

(12) ميزان الحكمة 2/1772.

(13) ميزان الحكمة 2/1772.

(14) ميزان الحكمة 1/252.

(15) بحار الأنوار 41/249.

(16) ميزان الحكمة 2/1772.

(17) ميزان الحكمة 2/1771.

(18) سنن الترمذي 4/36.

(19) ميزان الحكمة 2/1771.

(20) الفجر: 14.

(21) موسوعة أحاديث أهل البيت 6/ 352.

 
تاريخ النشر: 2017/03/13
 
تقييم الموضوع: Facebook Twitter
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لمجلة عبقات الأنوار © 2017م