العدد العشر- 1 رجب 1438 هـ | الأرشيف | الخميس 30 مارس 2017 م  
الرئيسية
الافتتاحية
معارف ومفاهيم
الأسرة والمجتمع
مواضيع متفرقة
واحة القراء
تواصل معنا
 
القائمة البريدية
 
عدد الزوار
17718
الأسرة والمجتمع
 
حقوق المريض
[المشاهدات :106] - [التعقيبات : 0]
 

 حقوق المريض

بقلم: الشيخ حسين الخشن

كيف نتعامل مع المريض؟ ما هي حقوقه على الأمّة وعلى المجتمع الذي ينتمي إليه؟ وما هو المطلوب من الدولة إزاء المرضى من مواطنيها؟ هذه الأسئلة وسواها نحاول الإجابة عليها فيما يلي:

الشريعة والتخفيف عن المريض:

لقد راعى الإسلام – انسجاماً مع وسطيته وواقعيّته – حال المريض، فلم يكلفه فوق طاقته وقدرته، ولم يساو بينه وبين السليم، فأسقط عنه التكاليف التي يعجز عن الإتيان بها، كالجهاد في سبيل الله وغيره، قال تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ)، وفي هذا السياق جاءت التشريعات البديلة عن التكاليف التي يعجز عن امتثالها، فمن يقعده المرض عن صيام شهر رمضان يسقط عنه الصوم ويطالب بالقضاء إن قدر عليه (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة: 184]، ومن يضرّه استعمال الماء في الطهور "الوضوء أو الغسل" ينتقل فرضه إلى التيمم (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) [النساء: 43]، وإذا كان حلق الشعر في الحج مؤذياً للمريض فيسقط عنه ويكلّف بالفدية أو الصيام أو الصدقة (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) [البقرة: 196].

حقوقه:

وينظر الإسلام إلى المريض باعتباره عضواً في جسد الأمّة، وجزءاً من الجماعة، فلا يترك وحيداً لمرضه ومعاناته، بل يتحمل المجتمع مسؤوليات عديدة إزاءه، بعضها ذات طابع إلزامي والآخر ذات طابع أخلاقي، وبعضها يعبّر عن تضامن مادي، والآخر عن تضامن معنوي، بما يجسد التكافل الاجتماعي ويعبّر عن تماسك الأمّة وتضامنها.

1-الضمان الصحي:

ويأتي الضمان الصحي على رأس هذه الحقوق، وتأمين الضمان الصحي للمريض المحتاج حق طبيعي يلزم توفيره له، والمطالب به في الدرجة الأولى هو من يعيله، وقد ألزم التشريع الإنسان بإعالة زوجته وأبنائه وآبائه، وإن لم تتيسر الإعالة من قبل هذه الطبقة، فعلى الدولة تحمّل مسؤولياتها، من خلال بيت مال المسلمين المعد لذلك، وأمثاله من النوائب والمصالح، وإن لم تقم الدولة بواجبها فعلى المجتمع الإسلامي أن يتحمّل هذه المسؤولية.

2- رفع معنوياته:

إلى جانب المساعدة الماديّة، تأتي المساعدة المعنوية، التي قد يكون تأثيرها على المريض أوقع وأبلغ، وتتمثل هذه المساعدة: بالعمل على رفع معنوياته، وبعث الثقة في نفسه، ليقوى على تحمل المرض ومقاومته، ولا يسقط أو ينهار أمامه، وتلعب الوصايا والمفاهيم الإسلامية دوراً بالغاً في هذا المجال، وعلى سبيل المثال: فإنّ توجيه المريض إلى الصبر كقيمة إسلامية كبيرة والحديث معه عن ثواب الصابرين وما أعدّ لهم من النعيم، يساعده كثيراً على مقاومة المرض، والحد من آثاره السلبية، ومما يساعد على ذلك أيضاً، الحديث معه عن محبّة الله لعبده، وأنّه قد يبتليه بالمرض، ليطهره من الذنوب، ففي الحديث أنّ رسول الله "صلى الله عليه وآله" دخل على أعرابي يعوده فقال "صلى الله عليه وآله": "لا بأس عليك، طهور إن شاء الله، فقال الأعرابي: طهور! بل حمّى تفور على شيخ كبير تزيره القبور، قال النبي "صلّى الله عليه وآله": فَنِعَمٌ إذاً" [صحيح البخاري: 8/192].

وفي هذا الصدد يوصي النبي "صلى الله عليه وآله" عُوّاد المريض وزواره أن لا يضعوا الموت نصب عينيه، بل ينبغي لهم أن يؤمّلوه بالصحة والسلامة، فقد ورد عنه "صلى الله عليه وآله": "إذا دخلتم على المريض فنفّسوا (أي وسعوا) له في الأجل، فإنّ ذلك لا يرد شيئاً، وهو يطيّب النّفس"(1)، وهذا الإرشاد النبوي الهادف إلى تطييب خاطر المريض والتوسعة له في الأجل، يرمي إلى مساعدته للتغلب على مرضه، لأنّ المريض الذي ينهزم نفسيّاً أمام المرض ويتملكه اليأس سوف يحاصره المرض، وتقلّ فرص تماثله للشفاء.

3- الابتعاد عن إيذائه:

إن إيذاء الآخر سواء أكان إيذاءً ماديّاً أو معنويّاً محرّم أشدّ التحريم، فكيف بالمريض الذي يكون في العادة مرهف الإحساس تجرحه الكلمة وتؤلمه النظرة! فيجدر بل يلزم الابتعاد عن كل ما يؤذي مشاعره، ويخدش أحاسيسه، ولو كنّا نخاله أمراً بسيطاً، كتحديق النظر إليه، أو النظر إليه بإشفاق أو تقزز، وقد أرشدت الرّوايات إلى مراعاة هذه الآداب والأخذ بها، ففي الحديث عن الإمام الصادق عن أبيه "عليهما السلام" قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وآله": "لا تديموا النظر إلى أهل البلاء والمجذومين فإنّ ذلك يحزنهم" (2)، وعنه "عليه السلام" "أنّه كان يكره أن يُسْمِعَ المبتلى التعوّذ من البلاء" (3).

4- عيادته:

صرّحت بعض الروايات أنّ من جملة حقوق المسلم على أخيه المسلم، عيادته إذا مرض، وورد هذا الأمر أيضاً في حقوق الجار (4)، وفي الخبر: سأل النبي "صلى الله عليه وآله" عن رجل فقال: من يعرفه؟ فقال رجل منهم: أنا، قال: ما اسمه؟ قال: لا أدري، قال: اسم أبيه، قال: لا أدري، قال "صلى الله عليه وآله": "ليست هذه معرفة، حتّى تعرف اسمه واسم أبيه وقبيلته، إن مرض عدته، وإن مات اتبعت جنازته" (5)، وورد الترغيب والتشجيع على عيادة المريض بألسنةٍ وبيانات مختلفة، من ذلك: الوعد بالثواب والرّحمة، فقد روي عنه "صلى الله عليه وآله: "عائد المريض يخوض في الرّحمة ..." (6)    وعن الإمام الصادق "عليه السلام": "من عاد مريضاً شيّعه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتّى يرجع إلى منزله" (7).

فلسفة العيادة:

ويهدف هذا التشجيع والترغيب الحثيث على عيادة المريض إلى تحقيق عدّة غايات ومصالح، منها ما يرتبط بالمريض، ومنها ما يعود إلى الزائر، ومنها ما يعود إلى المجتمع.

أمّا ما يعود إلى المريض، فهو: أنّ العيادة تواسيه، وتحفف عنه وطأة المرض وتساهم في إدخال السرور على قلبه وترفع معنوياته.

وأمّا فيما يعود إلى الزائر نفسه، فهو: أنّ العيادة تشكّل عبرة وتذكرة له، وتوقظ حسه الإيماني والإنساني فيؤوب إلى ربّه ويشعر بمعاناة الآخرين ويحنو عليهم، في الحديث عن رسول الله "صلّى الله عليه وآله: "عودوا المريض واتبعوا الجنازة يذكركم الآخرة" (8).

وأمّا فيما يعود إلى المجتمع فباعتبار أن العيادة تساهم في تماسك المجتمع، وتعبر عن تضامن أبنائخ وتواصلهم.

عيادة غير المسلم:

والترغيب في العيادة لا يقتصر على خصوص المسلم، بل هو عام وشامل لكل إنسان، مع صرف النّظر عن دينه ولونه، وهذا ما جسّدته سيرة النبي "صلى الله عليه وآله"، فذات يوم "مرض له "صلى الله عليه وآله" جار يهودي لا بأس بخلقه فعاده رسول الله "صلى الله عليه وآله" مع أصحابه" (9)، وهكذا ورد الحثُّ على عيادة المريض، حتى لو كان بدوره لا يعود الآخرين، ولا يزورهم، فعنه "صلى الله عليه وآله" "عدْ من لا يعودك واهدِ من لا يهدي لك" (10). وعيادة هذا الشخص الذي لا يتواصل مع الآخرين ربما كان الهدف منها محاولة إخراجه من عزلته ودمجه في المجتمع، فإنّ الإصرار على زيارته وإظهار الاهتمام به قد يترك أثره الطيب في النهاية، ويعيده إلى التواصل مع الآخرين.

أدب العيادة:

وثمة آداب عديدة أرشدت إليها ونصّت عليها التعاليم الإسلامية، فينبغي الأخذ بها ومراعاتها وإليك أهمّها:

1-تخفيف الزيارة:

فإنّ إطالة الزيارة قد تؤذي المريض وترهق أعصابه، قال "صلى الله عليه وآله" فيما روي عنه: "خير العيادة أخفّها" (11)، وفي خبر آخر: "من تمام العيادة خفّة القيام" (12)، نعم لو كان المريض راغباً في الإطالة ومستأنساً بها، فلا ضير فيها حينئذ، وفي الحديث عن الإمام الصادق "عليه السلام" قال: إن أمير المؤمنين "عليه السلام" قال: "إنّ من أعظم العواد أجراً عند الله لمن إذا عاد أخاه خفف الجلوس، إلاّ أن يكون المريض يحبُّ ذلك ويريده ويسأل ذلك" (13).

2- الهدية:

فإنّ دخول الزائر على المريض حاملاً معه هدية معينة يعتبر عربون محبّة ووفاء، ويمثل مساعدة رمزيّة، مادية أو معنوية للمريض، ورد في الحديث عن بعض أصحاب الإمام الصادق "عليه السلام" قال: مرض بعض مواليه فخرجنا إليه نعوده، ونحن عدّة من موالي جعفر، فاستقبلنا جعفر في بعض الطريق، فقال لنا: أين تريدون؟ فقلنا: نريد فلاناً نعوده، فقال لنا: قفوا، فوقفنا، فقال: معكم تفاحة، أو سفرجلة، أو أترجة، لعقة من طيب، أو قطعة من عود بخور؟ فقلنا: ما معنا شيء من هذا، فقال "عليه السلام": "أما تعلمون أنّ المريض يستريح إلى كل ما أدخل به عليه" (14).

ومن المستحسن أن ينوّع الزائرون في الهدايا، حرصاً على تعميم الفائدة، وتجنّباً لتراكم بعض الهدايا بدون جدوى، كما يحصل في الزهور التي يكثر إهداؤها للمرضى.

3- وضع اليد على جبهته أو يده:

وأدب آخر ترشد إليه الرّوايات، وهو وضع اليد على جبهة المريض، أو ملامسة يده، ففي الحديث عن رسول الله "صلى الله عليه وآله": "من تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته أو قال: يده، فيسأله كيف هو، وتحياتكم بينكم بالمصافحة" (15). ولعلّ السر وراء هذا الأدب هو أنّه يعبّر عن التفاعل العاطفي معه.

*المصدر كتاب "من حقوق الإنسان في الإسلام".

_________________________

(1) سنن ابن ماجة: 1/462، وكنز الفوائد، ص: 178.

(2) طب الأئمة، ص: 106.

(3) التاريخ الكبير للطبراني: 8/328، وشرح النهج: 15/27، والمصنف لابن أبي شيبة: 6/211، وفي البحار: 72/12 ورد حرف "من" قبل كلمة "المبتلى" فيختلف المعنى وتصبح الكراهة متعلّقة بالمبتلى أي المريض لا بزائره، وهذا أمر بعيد، ولذا فالظاهر زيادة حرف "من".

(4) راجع كنز العمال: 9/184، ومسكن الفؤاد: 105.

(5) مجمع الزوائد: 8/186.

(6) مستد أحمد: 5/268، وفي كنز الفوائد، ص: 178 "يخوض في البركة".

(7) الكافي: 2/120.

(8) صحيح ابن حبّان 7/221.

(9) المصنف لعبد الرّزاق الصنعاني: 10/315.

(10) كنز العمال 9/97، ومن لا يحضره الفقيه: 3/300.

(11) كنز العمال: 9/94.

(12) م. ن: 9/103.

(13) الكافي: 3/118.

(14) الكافي: 3/118. 

 
تاريخ النشر: 2017/03/13
 
تقييم الموضوع: Facebook Twitter
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لمجلة عبقات الأنوار © 2017م