العدد العشر- 1 رجب 1438 هـ | الأرشيف | الخميس 30 مارس 2017 م  
الرئيسية
الافتتاحية
معارف ومفاهيم
الأسرة والمجتمع
مواضيع متفرقة
واحة القراء
تواصل معنا
 
القائمة البريدية
 
عدد الزوار
17718
مواضيع متفرقة
 
أهميّة التربية الرّوحيّة
[المشاهدات :76] - [التعقيبات : 0]
 

 أهميّة التربية الرّوحيّة

السيد علي الحكيم

قال تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) (1).

1-الإنسان مركّب من بدن وروح:

خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان بأحسن خلقة، وكرّمه على كافة مخلوقاته، ليكون خليفة في أرضه، فقد أنشأه تعالى مركّباً من عنصرين: المادة وهي البدن، والروح أو النفس، وهما متلازمان ومتصاحبان، فما دام الإنسان في الدّنيا فإنّ الروح ملازمة للبدن، وعندما يموت البدن تحصل حالة الافتراق بين الروح والبدن، إذ أنّ الروح باقية حيّة والبدن قد تلف بالموت.

2- ما الذي يحقق إنسانية الإنسان:

ولنا أن نسأل أيّهما أقوى وأهم، وأيّهما يحقق إنسانيّة الإنسان؟ هل المادة هي التي تحقق إنسانية الإنسان؟ أم أنّ الرّوح والنّفس الخالدة هي التي تحقق إنسانيّته؟

عند استنطاق القرآن الكريم، نلاحظ أنّ الذي يحقق الإنسان به إنسانيته إنّما هي الروج أو النفس، فهي التي تدرك وتريد وتفعل الأفعال الإنسانية، نعم الرّوح والنّفس إنّما تحقق أفعالها بواسطة البدن، فالبدن ما هو إلاّ واسطة وآلة وأداة تُنجز بها النّفس أعمالها الماديّة، لذلك فإنّ آيات الهداية والضلال إنّما تتوجه إلى النفس: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) (2) لا إلى البدن، وذلك لأنّ البدن يمر في حالة تغيّر مستمر، فهناك تبدّلات طبيعية تطرأ عليه، فالإنسان الذي ولدته أمّه من الناحية الماديّة غير الإنسان ذي العشر سنوات غيره بعد عشرين عاماً غيره بعد ثمانين عاماً، فهناك مجموعة من التحوّلات والتبدلات الفيزيولوجية التي تطرأ عليه، لذا فإنّ الاسم والخصائص والسمات التي نذكرها لشخص إنّما تتوجه إلى روحه ونفسه، وكأن النفس هي الأصل والفرع ما هو إلاّ آلة ووسيلة لتلك الرّوح وهو البدن، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) (3).

وهكذا نلاحظ أنّ الروح هي الجانب الأقوى في حياة الإنسان، بل يمكن لنا أن نقول: إنّ الرّوح محبوسة في سجن البدن، وإنّ الإنسان بعد موته يتحرر من هذا البدن، لتنطلق الرّوح إلى ربّها: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي) (4).

ومن هذا المنطلق، فإنّ الاهتمام بالجانب الرّوحي للإنسان لا بدّ وأن يكون أكبر بكثير من الجانب المادي والبدني، ولكن الإنسان الذي يعيش حالة المادة والإحساس بها، فهو أين ما يلتفت لا يجد إلاّ المادة أمامه، لذا نجده يغفل عن هذه الحقيقة فيتجه في حياته في هذه الدنيا إلى الاهتمام بالجانب المادي من شخصيته ويعطيه الأهميّة الكبرى، دون أن يلتفت إلى أنّ الجانب الأهم هو الأحق بالرّعاية والاهتمام.

3- الاهتمام بالجانب الرّوحي:

إنّ الروح لها من القوّة ما يفوق قوّة البدن، باعتبار أنّها المحرّك له، وأنّ جميع أفعال الإنسان إنّما تصدر من روحه وتمارس بواسطة البدن، والروح أمر مجرد بسيط له من القدرات الكثيرة التي لا يمكن للبدن أن يقوم بها، فالرّوح تستطيع الانطلاق إلى عالم أرحب، وتستشرف أموراً أكثر بكثير من البدن، فالرؤيا التي يراها الإنسان عبارة عن استشراف الرّوح لعوالم لا يستطيع البدن أن يقوم بها، فالإنسان وهو نائم في فراشه يرى أموراً تحدث في بلاد تفصله عنها آلاف الكيلومترات، ويرى أموراً حدثت في الماضي وأموراً تحدث في المستقبل، كلُّ ذلك لأنّ الرّوح كما ورد في حديث الإمام الباقر "عليه السلام" لأبي بصير عندما يسأله: الرجل نائم هنا والمرأة نائمة يريان أنّهما بمكة أو بمصر من الأمصار أرواحهما خارج من أبدانهما؟ فيجيب "عليه السلام": "لا يا أبا بصير فإنّ الرّوح إذا فارقت البدن لم تعدْ إليه، غير أنّها بمنزلة عين الشمس هي مركبة [مركوزة في خ ل] السماء كبدها وشعاعها في الدنيا" (5) من هنا نفهم أنّ الرّوح لها قدرة الإحاطة والانطلاق لتتجاوز المكان والزّمان الذي يكون الإنسان فيه.

ومن هذا المنطلق فالإنسان المؤمن الذي يستعمل عقله لا بدّ وأن يهتم بهذا الجانب أكثر من اهتمامه بالجانب المادّي، وإن كان الجانب الماديُّ له حقّه أيضاً، ولكن لا يعني ذلك الحق أن يكون على حساب الجانب الأهم وهو الجانب الرّوحي، فالإنسان عندما يشعر بدنه بالجوع يحاول أن يسد هذا الجوع، ولكن يجب عليه أن يختار الغذاء الذي لا يؤثر عن الجانب الرّوحي، فالطعام الحرام يزيد من ظلمة النّفس ومن حواجز انطلاقة النفس، وهكذا تلاحظ الإنسان في محاولته لسد حاجته الجنسية مثلاً لا بدّ أن يراعي الجانب الرّوحي، فلا يرتكب المحرّم الذي يكتسب فيه صوت الحاجة دون الالتفات إلى تأثير ذلك على الجانب الرّوحي، فالنظرة الحرام والزنا واللمسة الحرام من الأمور التي تؤدّي إلى جعل النّفس في عالم من الظلمات يعيق انطلاقتها.

4- فائدة الاهتمام بالجانب الرّوحي:

بعد أن تقدم بيان أهمية الجانب الرّوحي ودور الرّوح في حياة الإنسان الدنيوية والأخروية، تظهر لنا فائدة الاهتمام بهذا الجانب، فمع الاهتمام بالنفس وتهذيبها، فإن القدرة على معرفة الحقائق واكتشاف الأمور الغامضة ستكون أكبر؛ لأنّ عين البصيرة المتعلّقة بالنفس تكون رؤيتها أوسع بكثير من عين البصر، ومع عدم جلاء الغشاوة الموجودة على عين البصيرة، لا يمكن للإنسان أن يفهم حقائق الأمور، ولا يمكن أن يصل إلى معرفة الله سبحانه وتعالى. تلك المعرفة التي يستحق بها الإنسان الجنان، وكلما اتجه الإنسان إلى سد احتياجاته البدنية، فإنّ الرّوح يضيق حبسها وسجنها، وبالتالي لا يمكن للإنسان أن يستفيد من الإمكانيات الهائلة الموجودة فيها، والتي يمكن أن تحقق للإنسان السعادة في الدّارين. فالإنسان الذي يسير على بصيرة من أمره، ورُزق الرؤية الواضحة لا شكّ أن تخبّطه في حياته الدّنيا سوف يقلُّ أو ينعدم، وبالتالي سيكون طريقه إلى الله سبحانه وتعالى ميسّراً واضحاً، ومن هنا تأتي أهمية الاهتمام بالجوانب الرّوحية وتهذيب النفس وصقلها وتمرينها.

5- طريقة التربية الرّوحية:

وهنا ينطلق تساؤل مهم، وهو كيف يمكن للإنسان أن يعمل للوصول إلى تربية روحيّة، خصوصاً مع علمنا بوجود ادّعاءات كثيرة في هذا المجال، فكلُّ فئة وجماعة تدّعي أنّ اتّباع أساليبها هو الطريق الصحيح الموصل إلى انطلاقة الرّوح؟

قبل أم نخوض في هذه المسألة، لا بد لنا من الإشارة إلى أنّ الاهتمام بالجوانب الروحانية – أو الروحية – أمر لا يقتصر على المسلمين فحسب، بل إنّ كثيراً من الديانات السماوية وغيرها تهتم بهذا الجانب اهتماماً كبيراً، كالديانة الهندوسيّة مثلاً، لذا نلاحظ وجود طريقة الرياضات الرّوحية العنيفة التي تؤدي إلى حالة من سمو الرّوح وانطلاقها، بحيث يبدأ هؤلاء باكتشاف بعض الحقائق، والحديث عنها وإعطاء علاج لكثير من الأمراض، ويؤكد العلم الحديث على أنّ هناك مجموعة كبيرة من الأمراض البدنيّة إنّما يكون سببها ومنشؤها النفس، فهؤلاء المرتاضون لديهم قدرات نراها في بعض الأحيان نتيجة ضعف الجانب الرّوحي لدينا أنّها أمور خارقة للطبيعة، وكذلك نلاحظ هذا الأمر عند الرّهبان المتعبّدين في بعض الديانات الذين يستطيعون علاج الكثير من الأمراض، ويرجعون ذلك إلى بركات ديانتهم، وتستعمل هذه القضيّة في الدعاية والتبشير لدينهم.

وواقع الأمر أنّ الرياضات الرّوحيّة وعملية قهر البدن واتّباع بعض الرياضات الروحية كحرمان الإنسان نفسه من مجموعة من الأمور مخالفة منه لهواه تعطي له هذه القدرات، والتي يمكن أن يستفاد منها بشكل شيطاني، وبالتالي فالرياضات الروحيّة لا تعني أنّ الإنسان يسير في خطّ الله سبحانه وتعالى؛ لأنّ هذه النتائج وهذه القدرات ترجع إلى معادلات طبيعية، إذ أنّ مخالفة النفس توجب حالة من سموّها وانطلاقها، لكن هل أنّ هذا الانطلاق هو الانطلاق الصحيح، وهل هذه الحريّة التي تتمتع بها الرّوح عي الحريّة الصحيحة؟

المنهج الإسلامي يختلف عن هذه المناهج وعن هذه المدارس حيث نلاحظ فيه مجموعة من الميزات أهمّها: -

أ-المدرسة الإسلامية لا تنظر إلى مسألة مخالفة الهوى وتهذيب النّفس على أنّها أساليب للوصول إلى هدف محدود هو حصول الإنسان على مجموعة من القدرات، بل إنّ تهذيب النّفس حسب المفهوم الإسلامي هو وسيلة للوصول إلى الله سبحانه وتعالى وكسب رضاه، في الطريق إلى الله سبحانه وتعالى ورضوانه يستطيع الإنسان أن يكسب مجموعة من القدرات، فتحصيل هذه القدرات ليس هو الهدف بحسب المفهوم الإسلامي وإنّما رضا الله والوصول إليه هو الهدف الأساسي.

ب-ومن هنا كانت المدرسة الإسلامية مدرسة متكاملة؛ فهي تهتم بالجانب الرّوحي وبالقدر نفسه، تهتم بالجانب المادي للإنسان، ولا تجعل الوسيلة للنمو الرّوحي والتكامل الروحي عند الإنسان في قهر البدن، كالعزوف عن الزّواج أو الترهب والرهبانية، إذ لا رهبانية في الإسلام، بل حتّى العبادة أيضاً لها أسسها وبرامجها وأوقاتها: (طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) (6) فالبدن له حقّه والروح لها حقّها، وهكذا يحصل التوازن الكامل بين حاجات الإنسان الماديّة وحاجاته الرّوحيّة.

ج- الميزة الثالثة للمنهج الإسلامي هي ارتباط التربية الروحية بالمعرفة والعلم، فالإسلام يرى أنّ التربية الرّوحية وتهذيب النّفس لا بدّ وأن يترافق مع المعرفة، لذا فإننا نلاحظ أنّ أكثر النّاس اهتماماً بهذا الجانب هم العلماء المتفقهون في الدين، وأمّا من يدّعي هذه الحالة مع عدم الاهتمام بالعلم والمعرفة فإنّ إمكانيّة وقوعه في الخطأ تكون كبيرة، أو تتحوّل عملية ممارسة التربية الرّوحية إلى مجرّد طقوس وجلسات أذكار غير واعية.

وعليه، فإننا يمكن أن نقول: إنّ عمليّة تهذيب النّفس في الإسلام هي عمليّة عبادية علميّة مرتبطة بالله سبحانه وتعالى، فهي عمليّة واعية لا عملية جاهلة، ومن هنا يتضح لنا معنى بعض الرّوايات: "فكر ساعة خير من عبادة سنة" (7)، أو "لموت عالم أحب إلى إبليس من موت سبعين عابد" (8)، وما شابه هذه الرّوايات، فيما قيمة العبادة غير المبنيّة على الأساس العلمي والمنهج العلمي.

 

__________________________

(1) الإنسان: 2 – 3.

(2) الشمس: 8.

(3) المؤمنون: 12 – 16.

(4) الفجر: 27 – 30.

(5) المجلسي، بحار الأنوار: ج58، ص 43.

(6) طه: 2.

(7) ابن بابويه، فقه الرّضا "عليه السلام"، ص 380.

(8) ابن الصباغ، الفصول المهمة في معرفة الأئمة: ج2، ص 887.

 

 
تاريخ النشر: 2017/03/13
 
تقييم الموضوع: Facebook Twitter
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لمجلة عبقات الأنوار © 2017م