العدد العشر- 1 رجب 1438 هـ | الأرشيف | الخميس 30 مارس 2017 م  
الرئيسية
الافتتاحية
معارف ومفاهيم
الأسرة والمجتمع
مواضيع متفرقة
واحة القراء
تواصل معنا
 
القائمة البريدية
 
عدد الزوار
17718
مواضيع متفرقة
 
الإمام الهادي
[المشاهدات :137] - [التعقيبات : 0]
 

 الإمام الهادي "عليه السلام" وقيادة النّاس

الشيخ الدكتور عبد الله أحمد اليوسف

 

كان الإمام علي الهادي "عليه السلام" يقود النّاس قيادة حقيقيّة، وكان يستولي على قلوبهم، ومن يستولي على قلوبهم يستطيع أن يوجههم كيفما يريد "كان الإمام يقود الأمّة قيادة حقيقية، ذلك لأنّ سيطرة الخلافة العباسيّة قد تراجعت منذ عهد الإمام الرّضا "عليه السلام" إلى درجة أنّها لم تكن تعني شيئاً كبيراً، وقد فرضت الحركة الرّساليّة نفسها الأحداث بشكل كبير، فكان الإمام علي الهادي "عليه السلام" ينتقل بين المدينة المنورة وسامراء، وعندما يكون في المدينة فإنّه يعيش وكأنّه دولة داخل دولة، أي أنّ والي المدينة لم يكن له من القدرة والقوّة ليفرض أي أمر على الإمام" (1).

وبالفعل فإن الإمام "عليه السلام" كان يشكّل دولة داخل دولة، وكان الإمام في المدينة هو القائد والموجه، وقد ارتبط الناس في المدينة بالإمام "عليه السلام" ارتباطاً عضويّاً، ولم يكن للحاكم العبّاسي أي تأثير على الجماهير، وهذه الرّواية تدل على ذلك: "قال المسعودي في إثبات الوصيّة أن بريحة العباسي صاحب الصلاة بالحرمين كتب إلى المتوكل: إن كان لك في الحرمين حاجة فأخرج علي بن محمد منها، فإنّه قد دعا النّاس إلى نفسه واتّبعه خلق كثير. وتابع بريحة الكتب في هذا المعنى" (2)، وقال سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص: قال علماء السير: إنّما أشخصه المتوكل من المدينة إلى بغداد لأن المتوكل كان يبغض عليّاً وذريّته فبلغه مقام علي الهادي بالمدينة المنورة وميل الناس إليه فخاف منه، فدعا يحيى بن هرثمة وقال: اذهب إلى المدينة وانظر في حاله وأشخصه إلينا، قال يحيى: فذهبت إلى المدينة فلما دخلتها ضج أهلها ضجيجاً عظيماً ما سمع الناس بمثله خوفاً على علي، وقامت الدنيا على ساق، لأنّه كان محسناً إليهم ملازماً للمسجد، ولم يكن عنده ميل إلى الدّنيا، فجعلت أسكنهم، وأحلف لهم أني لم أؤمر فيه بمكروه وأنّه لا بأس عليه، ثم فتشت منزله فلم أجد فيه إلاّ مصاحف وأدعية وكتب العلم، فعظم في عيني وتوليت خدمته بنفسي، وأحسنت عشرته" (3).

هذه الرواية تدل على عدة حقائق وهي:

1- إن الإمام "عليه السلام" كان يقدم نفسه كقيادة شرعية للجماهير "فإنه قد دعا الناس إلى نفسه واتبعه خلق كثير".

2- إن الإمام "عليه السلام" كان يشكل خطراً يهدد القيادة الرسمية "الخلافة"، وهذا يعني أن الإمام كان يتحرّك للانقضاض على الخلافة غير الشرعية "إنّما أشخصه المتوكل من المدينة إلى بغداد لأنّ المتوكل كان يبغض عليّاً وذريته فبلغه مقام علي الهادي بالمدينة وميل الناس إليه، فخاف منه".

3- إن الإمام "عليه السلام" استطاع أن يستقطب الجماهير نحوه وأن يؤلّب النّاس ضد الخلافة غير الشرعية "وقال يحيى فذهب إلى المدينة فلما دخلتها ضج أهلها ضجيجاً عظيماً ما سمع الناس بمثله خوفاً على علي، وقامت الدنيا على ساق".

وهناك رواية أخرى تدل على أن المتوكل حينما أراد أن يأتي بالإمام "عليه السلام" إلى بغداد كتب إليه كتاباً يظهر فيه حبّه واشتياقه إليه ومما جاء في الكتاب: "بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد: فإنّ أمير المؤمنين عارف بقدرك، راع لقرابتك، موجب لحقك، مؤثر من الأمور فيك وفي أهل بيتك، ما يصلح الله به حالك وحالهم، ويثبت به عزّك وعزّهم، ويدخل الأمن عليك وعليهم يبتغي بذلك رضا ربّه، وأداء ما فرض عليه فيك وفيهم.

فقد رأى أمير المؤمنين صرف عبد الله بن محمد عما كان يتولى من الحرب والصلاة بمدينة الرسول "صلى الله عليه وآله وسلّم" إذ كان ما ذكرت من جهالته بحقك، واستخفافه بقدرك، وعندما قرنك به ونسبك إليه من الأمر الذي قد علم أمير المؤمنين براءتك منه وصدق نيتك في برك وقولك، وأنك لم تؤهل نفسك لما قرفت بطلبه.

وقد ولّى أمير المؤمنين ما كان يلي من ذلك محمد بن الفضل وأمره بإكرامك وتبجيلك، والانتهاء إلى أمرك ورأيك، والتقرّب إلى الله وإلى أمير المؤمنين بذلك، وأمير المؤمنين مشتاق إليك، يحب إحداث العهد بك، والنظر إلى وجهك.

فاستخر الله حتى توافي أمير المؤمنين، فما أحد من إخوته وولده وأهل بيته وخاصته ألطف منك منزلة، ولا أحمد له أثرة، ولا هو لهم أنظر، ولا عليهم أشفق، وبهم أبر، ولا هو إليهم أسكن منه إليك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته" (4).

نستنتج من هذه الرواية عدة حقائق هي:

1-إن هذه الرسالة من المتوكل إلى الإمام إنّما كانت بعد الوشايات والشكايات التي كان يقدمها والي المدينة وجواسيسه ضد الإمام للمتوكل، وهذا يعني أن الإمام "عليه السلام" كان يهدد الحكم العباسي بالخطر، وأن الإمام كان هو المسيطر على قلوب الناس، ويستطيع تحريكهم متى ما أراد.

2- إن الرسالة كانت توحي بأن المتوكل يريد تكريم الإمام والحفاظ عليه، مع العلم بأن المتوكل كان من أشد الخلفاء بغضاً للأئمة، حتى أنّه أمر بحفر قبر الإمام الحسين "عليه السلام" وقتل كل من يزوره!! إنّ هذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على قوة الإمام "عليه السلام" وإلاّ فإن المتوكل ما كان ليكتب بهذا الأسلوب، وهل رأيت – عزيزي القارئ – إنساناً يكتب لعدوه اللدود بمثل هذا الأسلوب إلاّ لخوف منه؟!!

3- إن كلمة "أمير المؤمنين" تكررت في رسالة المتوكل للإمام ثماني مرات، ويقصد بها نفسه – أي المتوكل -، وهذا يدل على أن المتوكل كان يريد أن يوضح للنّاس وللإمام بأنه ما زال الخليفة والحاكم، وأن الإمام "عليه السلام" لا يمثل إلاّ نفسه وأن على الجماهير أن تخضع لقيادة المتوكل لا الإمام "عليه السلام".

4- أراد المتوكل أن يدخل الإمام "عليه السلام" في لعبة سياسة "وأمير المؤمنين مشتاق إليك يحب إحداث العهد بك والنظر إليك" وهو نفس أسلوب من سبقه من الخلفاء، كما فعل المأمون قبله مع الرضا والجواد "عليهما السلام" ومحاولة دمجهما في الجهاز الحاكم ليكونا تحت رقابة القصر مباشرة، وهذه المبادرة من المتوكل تدل على ضعفه، لأنّ إدخال الإمام في الجهاز الحاكم يعطي شرعيّة دينيّة، ويقوّي مكانته عند النّاس.

فالإمام الهادي "عليه السلام" إذن كان قيادة حقيقية، يوجه الناس نحو القيم والمبادئ ويرشدهم إلى الطريق الصحيح" حيث كان كبار الرّساليين في المدينة المنورة يجتمعون مع الإمام فيجلس ويعطيهم الأوامر وتحمل إليه الأموال الكثيرة، والإمام أيضاً يبعث بتلك الأموال إلى أصحابها، أي أنّه يقود دورة ماليّة في الأمة الإسلامية" (5).

ومرّة جاء إلى المتوكل أحد الجواسيس وقال: أنت جالس في قصرك هنا والأموال تحمل إلى علي الهادي، قال عجيب!! من الذي يحمل الأموال إليه؟

قال: الآن ستأتي قافلة من قم ومعها الأموال إلى علي الهادي.

فطلب المتوكل الفتح بن خاقان أكبر وزرائه وهو قائد الجيش أيضاً، وقال له: إنّ قافلة تأتي من طرف كذا تدخل سامراء غداً صباحاً، فأريدك أن تأخذ جيشاً وتأخذ على القافلة وترى إذا كانت في القافلة أموال محمولة إلى علي الهادي تقبضها وتأتي بها إليَّ.

فخرج الفتح بن خاقان إلى المهمة.

لكنّ مكر المتوكل لم ينجح (6)، فعن محمد بن داود القمي ومحمد الطلحي قالا: "حملنا مالاً من خمس ونذر وهدايا وجوائز اجتمعت في قم وبلادها، وخرجنا نريد بها سيدنا أبا الحسن الهادي " عليه السلام" فجاءنا رسوله في الطريق أن أرجعوا فليس هذا وقت الوصول، فرجعنا إلى قم وأحرزنا ما كان عندنا، فجاءنا أمره بعد أيام أن قد أنفذنا إليكم إبلاً وعيراً فاحملوا عليها ما عندكم، وخلّوا سبيلها، قال: فحملناها وأودعناها الله فلما كان من قابل، قدمنا عليه، فقال: انظروا إلى ما حملتم إلينا فنظرنا فإذا المنايح (7) كما هي" (8).

هذه الرّواية تدل بوضوح أنّ الناس كانوا يرتبطون بالإمام "عليه السلام" في جميع شؤونهم وليس بالخليفة، وهناك رواية أخرى تدل على شخصية الإمام القياديّة، إذ روى محمد بن الحسن الأشتر العلوي، قال: كنت مع أبي علي على باب المتوكل وأنا صبي في جمع من الناس ما بين طالبي إلى عباسي وجعفري ونحن وقوف، إذ جاء أبو الحسن فترجل الناس كلهم حتى دخل، فقال بعضهم لبعض: لِمَ نترجل لهذا الغلام؟ وما هو بأشرفنا ولا بأكبرنا سنّاً والله لا ترجلنا له!

فقال أبو هاشم الجعفري: والله لتترجلن له صغرة إذا رأيتموه، فما هو إلاّ أن أقبل وبصروا به حتى ترجل الناس كلهم.

فقال لهم أبو هاشم: أليس زعمتم أنكم لا تترجلون له؟

فقالوا له: والله ما ملكنا أنفسنا حتى ترجلنا! (9).

هذه الرّواية تدل على أن الإمام كان شخصية قيادية، وإلاّ فإنّ الناس لا يترجلون للأفراد العاديين في المجتمع.

وكان الإمام "عليه السلام" بوصفه قائداً للأمة الإسلامية يقوم بواجباته القيادية ومسؤولياته الشرعية، ويمارس صلاحياته، فكان "عليه السلام" يخدم الناس، ويقضي حوائجهم، ويزور مرضاهم، وذات مرة "دخل أبو عمرو عثمان بن سعيد، وأحمد بن إسحاق الأشعري، وعلي بن جعفر الهمداني على أبي الحسن العسكري، فشكا إليه أحمد بن إسحاق ديناً عليه، فقال: يا أبا عمرو – وكان وكيله – ادفع إليه ثلاثين ألف دينار، وإلى علي بن جعفر ثلاثين ألف دينار، وخذ أنت ثلاثين ألف دينار" (10).

و"قال أبو هاشم الجعفري: أصابتني ضيقة شديدة، فصرت إلى أبي الحسن علي بن محمد فأذن لي، فلما جلست قال: يا أبا هاشم أي نعم الله عزّ وجل عليك تريد أن تؤدي شكرها؟

قال أبو هاشم: فوجمت فلم أدرِ ما أقول له!

فابتدأ "عليه السلام" فقال: "رزقك الإيمان فحرم به بدنك على النار، ورزقك العافية فأعانتك على الطاعة، ورزقك القنوع فصانك عن التبذل.

يا أبا هاشم إنما ابتدأتك بهذا لأني ظننت أنك تريد أن تشكو إليّ من فعل بك هذا، وقد أمرت لك بمائة دينار فخذها" (11).

هذه الرّوايات تدل على أنّ الإمام "عليه السلام" كان يعمل من أجل خدمة الناس، وقضاء حوائجهم، والقائد الحقيقي هو الذي يقدم خدمات للناس، لا الذي يفرض قرارات عليهم وحسب، ولذلك فالناس ارتبطت بالإمام الهادي "عليه السلام" كقائد وموجه لها، لذلك فإن أهم عمل في حياة الإمام هو قيادة الأمة وتوجيهها رغم الظروف الصعبة التي عانى منها أشد المعاناة في ظل الحكام الظلمة، وخصوصاً في عهد المتوكل العباسي.

_____________________

(1) التاريخ الإسلامي، ص 367.

(2) في رحاب أئمة أهل البيت، ج4، ص 176.

(3) تذكرة الخواص، ص 302.

(4) بحار الأنوار، ج50، ص 11.

(5) التاريخ الإسلامي، ص 368.

(6) التاريخ الإسلامي، ص370.

(7) المنايح: جمع المنيحة، الهدايا والعطايا.

(8) بحار ألانوار، ج 50، ص 185، رقم 62.

(9) إعلام الورى بأعلام الهدى، ص 402.

(10) المناقب، ابن شهرآشوب، ج4، ص 441.

(11) بحار الأنوار، ج 50، ص 129، رقم 7.

 
تاريخ النشر: 2017/03/30
 
تقييم الموضوع: Facebook Twitter
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لمجلة عبقات الأنوار © 2017م