العدد العشر- 1 رجب 1438 هـ | الأرشيف | الخميس 30 مارس 2017 م  
الرئيسية
الافتتاحية
معارف ومفاهيم
الأسرة والمجتمع
مواضيع متفرقة
واحة القراء
تواصل معنا
 
القائمة البريدية
 
عدد الزوار
17718
معارف ومفاهيم
 
الدعاء
[المشاهدات :181] - [التعقيبات : 0]
 

الدعاء

العلامة إبراهيم الأميني

الدعاء يعني الاستعانة، والاستعانة بأحد أو شيء أو طلب شيء منه.. والدعاء إنّما يكون صحيحاً إذا توفر في المدعو شرطان:

أحدهما: أن يكون ذا شعور وعاقلاً، يسمع نداء الداعي، ويفهم طلبه.

الآخر: أن يكون قادراً على تنفيذ مطلب الدّاعي، وقضاء حاجته.

وعلى هذا فليس من الصحيح أن يدعو الإنسان الجمادات، وكذا لا يصح أن يدعو من لا يقدر على قضاء حاجته، وتنفيذ مطلبه، إلاّ أن يكون الدّاعي يتخيّل أن المدعو قادر على ذلك.

ولهذا فإنّ على العباد – بغية قضاء حوائجهم وحلّ مشكلاتهم – أن يمدّوا يد الاستغاثة والاستعانة إلى الله تعالى، ويطلبوا منه سبحانه حوائجهم، لأنّه أقرب الأشياء إلى العباد ولأنه حاضر أينما كانوا، يسمع دعاءهم ونداءهم ويقدر كذلك على تلبية كطالبهم وحوائجهم.

إنّ الإنسان وجميع الكائنات مخلوقون لله تعالى، ومرتبطون به ذاتاً وصفاتاً وأفعالاً وآثاراً ارتباط المعلول بعلّته، بل هم عين الفقر والربط. فكل ما عندهم هو من الله تعالى، بحيث لو انقطع فيضه عنهم لحظة واحدة لفنوا جميعاً، وتبدّل وجودهم إلى عدم.

وعلى هذا فإنّ الله تعالى عالمٌ بجميع عباده محيط بهم إحاطة قيّوميّة وعلم، وهو قريب إليهم.. يسمع استغاثتهم، ويقدر على قضاء حوائجهم.

إنّ على الإنسان أن يتذكر فقره الذاتي أبداً دائماً، ويطلب منه حاجاته، وبهذا الطريق يكون قد عمل أمرين:

من جانب يكون قد لجأ إلى الله خالق الكون، في رفع احتياجاته، فهو يستمدّ منه، ويستغيث به.

ومن جانب آخر يكون قد خضع أمامه وأظهر العبودية له تعالى، وهو لا شك عبادة موجبةٌ للتقرّب إلى الله.

وهنا يجب الإشارة إلى مطلبين:

المطلب الأول: أنّ الدعاء عبادة واقعية بل هو من أفضل العبادات، لأنّ العبادة تعني في الحقيقة أن العبد يعتقد أن الله مالكه الحقيقي، وأنّه مملوك له وعبد من عباده، فيخضع له ويظهر العبودية بين يديه، ويرفع إليه فقره وفاقته، وهذا المعنى نفسه موجود في الدّعاء أيضاً.

ولهذا وصف الدعاء بالعبادة في القرآن والحديث أيضاً:

(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (1).

لقد عدّ ترك الدعاء في الآية المذكورة استكباراً عن العبادة.

عن حنان بن سدير، عن أبيه، قال: قلت لأبي جعفر "عليه السلام": أيُّ العبادة أفضل؟

فقال: ما من شيء أفضل عند الله عزّ وجل من أن يسأل ويطلب مما عنده، وما من أحد أبغض إلى الله عزّ وجل ممن يستكبر عن عبادته ولا يسأل ما عند الله (2).

وعن سيف بن التّمار قال: سمعت أبا عبد الله "عليه السلام" يقول: عليكم بالدعاء فإنّكم لا تقرّبون بمثله، ولا تتركوا صغيرة لصغرها أن تدعوا بها، إنّ صاحب الصغار هو صاحب الكبار (3).

حمّاد بن عيسى عن أبي عبد الله "عليه السلام" قال: سمعته يقول: ادع ولا تقل: قد فرغ من الأمر، فإنّ الدعاء هو العبادة، إنّ الله عزّ وجل يقول: (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)، وقال: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (4).

وعلى هذا فإنّ الدعاء من أفضل العبادات، لو أتي به بقصد القربة استوجب تكامل النفس والتّقرّب إلى الله، والثواب الأخروي، وهذا أثر يترتب على الدعاء حتماً.. وإن لم يترتب عليه آثار دنيوية.

إن الذي يعتبر نفسه عبداً لله يجب أن لا يغفل عن هذه العبادة الكبرى أبداً وفي أي حال من الأحوال.

المطلب الثاني: يستفاد من الآيات أن الدّعاء لو تحقق لاستتبع الإجابة حتماً: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (5).

إنّ الله تعالى يقول في هذه الآية: إذا سألك عبادي عنّي، فقل لهم إنّي قريب إليهم فليدعني من شاء أجبه.. ففي الآية المذكورة كما تلاحظون لم يشترط في الإجابة شرطاً، ولم يعلّقها على شيء، وإنّما رتّب الإجابة على الدعاء بصورة مطلقة، بل بعبارة "إذا دعان" أشار إلى نكتة مهمّة جدّاً وهي أنّه يقول: إنني إنما أجيب الدعاء إذا كان العبد يدعوني حقيقة وواقعاً.

من هذه الآية يستفاد أنّ دعاء العبد إنّما يحظى بالإجابة إذا لم يأمل غير الله ولم يرج شيئاً أو شخصاً سواه، بل دعا الله خاصة ومن أعماق قلبه، وصميم ضميره.

إنّ طلب شيء من الله يجب أن يتحقق في القلب أولاً، ثم يجري ذلك على لسانه لا أن يتصوّر مفهوماً ما في ذهنه، ويجري ألفاظاً على لسانه، بينما يعلّق آماله في باطن كيانه، على العلل والأسباب الطبيعية ويعتبرها المؤثرة.

وعلى هذا فإنّ الانقطاع عمّا سوى الله، وطلب شيء من الله بجد شرط في استجابة الدعاء لأنّه بدون ذلك لا تتحقق حقيقة الطلب من الله، لتتحقق – بعد ذلك – الإجابة. ولكن هذا الكلام لا يعني بالمرّة إنكار تأثير العلل والمعلولات الطبيعية وتأثيرها، بل المراد هو أنّ الداعي يجب أن يلتفت إلى أنّ جميع العلل والمعلولات الطبيعية محتاجة في وجودها وتأثيرها إلى الله المتعال، ومرتبطة به، غير مستقلّة عنه، لا في ذاتها ولا في آثارها.

إنّ منشأ جميع الإفاضات هو الله الحق، ولكن أبى الله أن يجري الأمور إلاّ بأسبابها.

وعلى هذا الأساس فإنّ من علل عدم إجابة بعض الأدعية هو أنّه لم يتحقق الدعاء الواقعي حتى يستتبع الإجابة.

ولقد أشير – في بعض الأحاديث – إلى هذا الموضوع أيضاً.

عن سليمان بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله "عليه السلام" يقول: إنّ الله عزّ وجل لا يستجيب دعاءً بظهر قلبٍ ساهٍ، فإذا دعوت فأقبل بقلبك ثم استيقن بالإجابة (6).

قال أمير المؤمنين "عليه السلام": لا يقبل الله عزّ وجل دعاء قلب لاهٍ (7).

موسى بن جعفر "عليه السلام" قال: قال قوم للصادق "عليه السلام": ندعوا فلا يستجاب لنا؟

قال: لأنكم تدعون من لا تعرفونه (8).

وعم موسى بن جعفر "عليه السلام" عن أبيه جعفر بن محمد عن آبائه عن علي "عليهم السلام" عن النبي "صلى الله عليه وآله" قال: يقول الله عزّ وجل: ما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني إلاّ قطعت به أسباب السماوات وأسباب الأرض من دونه، فإن سألني لم أعطه وإن دعاني لم أجبه، وما من مخلوق يعتصم بي دون خلقي إلاّ ضمّنت السماوات والأرض رزقه، فإن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته، وإن استغفرني غفرت له (9).

العلّة الثانية – قد لا يحظى الدعاء اللساني بالإجابة لأنّ الداعي يطلب في باطنه شيئاً آخر، لأنّ الإنسان يطلب مصالحه الواقعية دائماً، وإذا ما نجده يطلب شيئاً من الله بلسانه فلأنّه يتصور أنّ ذلك الشيء من مصاديق مصلحته الحقيقية، ولو أنّه علم أنّ ذلك ليس من مصلحته لما سأله من الله مطلقاً.

وعلى هذا فإن الإنسان ربما يطلب بلسانه شيئاً من الله لا يطابق مصالحه الواقعيّة، ويطلب في باطنه شيئاً آخر.. وفي هذه الصورة لا يستجاب دعاؤه أيضاً.

وربما تقتضي مصالح الإنسان الأخروية أن لا يحظى دعاؤه بالإجابة، حتّى يظلُّ على ارتباطه بالله، ويديم حالة الدعاء والمناجاة، وبهذه الطريقة يتقرّب إلى الله، وينال المثوبات العظيمة في عالم الآخرة.

عن إسحاق بن عمّار عن أبي عبد الله "عليه السلام" قال: إنّ المؤمن ليدعو الله عزّ وجل في حاجته فيقول الله عزّ وجل أخّروا إجابته شوقاً إلى صوته ودعائه، فإذا كان يوم القيامة قال الله عزّ وجل: عبدي دعوتني فأخرت إجابتك وثوابك كذا وكذا، ودعوتني في كذا وكذا فأخرت إجابتك وثوابك كذا كذا، قال: قيتمنّى المؤمن أنه لم يستجب له دعوة في الدّنيا مما يرى من حسن الثواب (10).

وعن أبي عبد الله "عليه السلام" قال: قال رسول الله "صلى الله عليه وآله": رحم الله عبداً طلب من الله شيئاً فألحَّ في الدعاء استجيب له أو لم يستجب له، وتلا هذه الآية: (وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا) (11).

وعلى هذا الأساس يكون هذا الدعاء أحد أكبر العبادات التي لو أتي بها على وجه الإخلاص وبقصده لاستوجب التقرّب إلى الله والزلفى لديه، وليس للعبد الذي يقرّ بالعبودية لله أن يغفل عن هذه العبادة أبداً وفي أيّة حال من الأحوال، وإن لم تقترن – حسب الظاهر – بالإجابة والتلبية.

إشكال – يمكن لأحد أن يعترض على أصل مسألة الدعاء، ويقول: إنّ ما يطلبه الإنسان من الله إمّا أن يكون من المقدرات الإلهية، وموافقاً للعلل والأسباب الطبيعية فيتحقق ذلك المطلب في هذه الصورة ومن دون الدعاء أيضاً، وكان الدعاء حينئذ عبثا وأمراً غير مفيد.

وإمّا أن لا يكون من المقدرات الإلهية، ولا يكون له علل طبيعية، لم يكن للدعاء في هذه الصورة أثر كذلك، لعدم تحقق العلل الطبيعية، وقد أبى الله أن يجري الأمور إلاّ بأسبابها.

وعلى كلا تقدير يكون الدعاء عملاً بلا أثر.

الجواب: في الإجابة على هذا السؤال يمكن أن يقال: إنّ الإسلام لا ينكر العلل والأسباب الطبيعية، بل يرى من اللازم وجود مجموعة العلل والمعلولات الطبيعية لتحقيق شيء.. وقد خلق الله ذاته الظواهر الكونية عن طريق العلل والأسباب الطبيعية، ولكن بالنسبة إلى الدعاء الذي يتحقق ويستجاب فإن الدعاء نفسه يكون جزءً من علل الشيء الذي لا يتحقق إلاّ عندما تكتمل علّته التامة، ويفاض الوجود من جانب الله المتعال وبمشيئته.

وبناءً على هذا يمكن تغيير القضاء الإلهي بواسطة الدعاء.

ولقد أشير إلى هذا المطلب في الأحاديث أيضاً.. وإليك من باب النموذج ما يأتي:

بسطام الزيات عن أبي عبد الله "عليه السلام" قال: إنّ الدعاء يردُّ القضاء وقد نزل من السماء وقد أبرم إبراماً (12).

عمر بن يزيد قال: سمعت أبا الحسن "عليه السلام" يقول: إنّ الدعاء يردُّ ما قد قدّر وما لم يقدّر، قلت: وما قدّر عرفته فما لم يقدّر؟ قال: حتّى لا يكون (13).

عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله "عليه السلام" يقول: الدّعاء يردُّ القضاء بعد ما أبرم إبراماً، فأكثر من الدعاء فإنّه مفتاح كل رحمة، ونجاح كل حاجة، ولا ينال ما عند الله عزّ وجل إلاّ بالدّعاء، وإنّه ليس باب يُكثرُ قرعه إلاّ يوشك أن يفتح لصاحبه (14).

أبو ولاد قال: قال أبو الحسن موسى "عليه السلام": عليكم بالدّعاء فإنّ الدّعاء لله والطلب إلى الله يردُّ البلاء، وقد قدّر وقضي ولم يبق إلاّ إمضاؤه، فإذا دعا الله عزّ وجل وسئل صرف البلاء صرفةً (15).

___________________

(1) غافر: 60، داحرين: أذلاء.

(2) الكافي: ج2 ص 466.

(3) الكافي: ج2 ص 467.

(4) الكافي: ج2 ص 467.

(5) البقرة: 186.

(6) الكافي ج2 ص 473.

(7) الكافي ج2 ص 473.

(8) البحار ج93 ص 368.

(9) البحار ج1 ص 155.

(10) الكافي ج2 ص 490.

(11) الكافي ج2 ص 475.

(12) الكافي ج2 ص 469.

(13) الكافي ج2 ص 469.

(14) الكافي ج2 ص 470.

(15) الكافي ج2 ص 470.

 

 
تاريخ النشر: 2017/03/30
 
تقييم الموضوع: Facebook Twitter
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لمجلة عبقات الأنوار © 2017م