العدد العشر- 1 رجب 1438 هـ | الأرشيف | الخميس 30 مارس 2017 م  
الرئيسية
الافتتاحية
معارف ومفاهيم
الأسرة والمجتمع
مواضيع متفرقة
واحة القراء
تواصل معنا
 
القائمة البريدية
 
عدد الزوار
17461
الأسرة والمجتمع
 
الحقوق والواجبات المتبادلة بين الزّوجين
[المشاهدات :137] - [التعقيبات : 0]
 

 الحقوق والواجبات المتبادلة بين الزّوجين

العلامة الشيخ إبراهيم الأميني

تعدّ الأسرة في ضوء الإسلام وحدة اجتماعية صغيرة، وهي الأساس في تشكيل المجتمع، والأسرة بطبيعة الحال تتألف من رجل وامرأة ينتج عن اقترانهما أبناء، وهي تنمو بهم وتزداد بهم تماسكاً، وتنشأ للأسرة بطبيعة الحياة المشتركة وما يسودها من حب أهدافٌ مشتركة ومصالح مشتركة، وتصبح مسألة السعادة هدفاً للجميع، فكلُّ عضو فيها يسعى إلى تحقيق سعادته من خلال إسعاد الذين يعيشون معه. وإذا كان الرجل والمرأة قبل الزّواج يفكران بنفسيهما فقط فإن الحياة المشتركة الجديدة تجعل هذا الهدف مشتركاً، ويضمحل التفكير الأناني أمام تفكير عائلي عام يذوب فيه الأفراد، لتصبح الأسرة كياناً متوحداً؛ ذلك أنّ العلاقة التي تربط الرجل بالمرأة في ظلال الزوجية لا تشبه أبداً علاقة الجار بالجار، ولا الصديق بصديقه. إنّها أسمى بكثير حتّى لتصل إلى درجة التوحد والذوبان التام.

قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (1).

والتأمل في المقطع " خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً" ليلقي الضوء على مدى التّوحد بين الرّجل والمرأة في ظل الزّواج.

وهناك إشارة قرآنية تصوّر هذا التوحّد بطريقة أخرى، وذلك في قوله تعالى: "هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ" (2).

وهل هناك ارتباط أوثق للمرء من ثيابه التي يرتديها. إنّها أقرب شيء لجسم الإنسان تحفظه من البرد وتخفف عنه غلواء الحر، وتستر عيوبه وتكسبه جمالاً، وتسهم في إبراز شخصيته الإنسانية. ومن هنا ندرك أنّ الزّواج ينهض بهذه المهمّة فيكسب كلاً من الرجل والمرأة ذلك الوقار والسكينة والهدوء في ظلال علاقة روحيّة مفعمة بالمودّة والمحبّة والسلام.

ولقد أولى الإسلام الأسرة عناية بالغة وشرّع لذلك واجبات وحدّد حقوقاً متبادلة بين الزوجين من أجل تعزيز الأسرة وبنائها على أسس متينة.

وفي الإسلام واجبات مشتركة تشمل كلا الطرفين، كما توجد واجبات تخصّ كل طرف تجاه شريك حياته.

الواجبات المشتركة

*حسن المعاشرة:

يلزم الإسلام الطرفين بحسن المعاشرة. قال تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (3).

والمعروف هو نقيض المنكر، فالعشرة بالمعروف هي السلوك الذي يرتضيه العقل والشرع. وبالرغم من أنّ الخطاب القرآني موجه للرجال فإنّه يشمل النساء أيضاً، فالعلاقات الزّوجية التي يسودها الصدق والحب والاحترام والأدب هي التي تجعل من الأسرة سعيدة وقويّة.

*التزيّن:

يتوجب على الرجل والمرأة – سواء – الاعتناء بالمظهر، وارتداء الثياب النظيفة، ورعاية نظافة الجسم، والتّطيب. والمرأة بشكل خاص هي المخاطب في هذا الجانب.

عن الإمام الصادق عليه السلام قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: يا رسول الله ما حق الزوج على المرأة (في حديث إلى أن) قال: وعليها أن تتطيب بأطيب طيبها وتلبس أحسن ثيابها وتتزّين بأحسن زينتها وتعرض نفسها عليه غدوة وعشيّة، وأكثر من ذلك حقوقه عليها (4).

وكان من واجب المرأة أن تتزيّن لزوجها، فإنّ من واجب الرجل ذلك أيضاً. عليه أن يكون نظيفاً في جسمه وثيابه تفوح منه رائحة العطر، لأنّ ذلك شعور متبادل بين الطرفين.

عن الإمام الصادق عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله: ليتهيأ أحدكم لزوجته كما تتهيأ زوجته له، قال الإمام عليه السلام: يعني يتهيأ بالنّظافة (5).

وعن سيدنا محمد صلى الله عليه وآله أيضاً قال: حق المرأة على زوجها أن يسدّ جوعتها وأن يستر عورتها ولا يقبّح لها وجهاً، فإذا فعل ذلك فقد والله أدّى حقّها (6).

وعن الحسن بن الجهم، قال: رأيت أبا الحسن عليه السلام اختضب فقلت: جعلت فداك اختضبت؟ فقال: نعم، إنّ التهيئة مما يزيد في عفّة النساء، ولقد ترك النساء العفّة بترك أزواجهن التهيئة، ثم قال: أيسرّك أن تراها على ما تراك عليه إذا كنت على غير تهيئة؟ قلت: لا. قال: فهو ذلك (7).

*الإرضاء الجنسي:

 بالرّغم من أنّ إرضاء الغريزة الجنسية لا يشكل الهدف الأساس من وراء الزواج، ولكن دوره في تعزيز أواصر المحبّة بين الزّوجين غاية في التأثير.

وإذن فالإرضاء الجنسي مسؤولية مشتركة، فالمرأة والرجل موظفان عند ميل أحدهما إلى ممارسة الجنس أن يلبي رغبته ويشاركه الرّغبة متى شاء.

عن سيدنا محمد صلى الله عليه وآله أنّه قال للنساء: لا تطوّلن صلاتكن لتمنعن أزواجكن (8).

وعن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا أتى أحدكم امرأته فلا يعجلها (9).

وعن الإمام الرّضا عليه السلام في حديث له ... إلى أن قال: واشتهت منك الذي تشتهيه منها (10).

*تربية الأبناء:

تربية الجيل جسماً وروحاً وتعلميه واجب مشترك يقع على عاتق الأب والأم، فالأب يتحمّل مسؤولية اعداد أبناء صالحين، وللأم دورها الحساس والبنّاء في ذلك.

واجبات خاصة

*وظائف الرجل:

إضافة إلى الواجبات المشتركة التي مرّ ذكرها، فإنّ على الرجل وانطلاقاً من طبيعته الخاصة وظائف وواجبات خاصة، منها:

_مسؤولية الأسرة: يتحمل الرّجل ووفقاً للمنهج الإسلامي ورؤيته مسؤولية الأسرة وإدارتها.

قال تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) (11).

وبالطبع فهذا لا يعد امتيازاً بقدر ما هو مسؤولية يتعيّن على الرجل فيها إذا أراد النّجاح أن يشاور الطرف الآخر ويحترم رأيه وتكون قراراته صادرة عن روح التفاهم والانسجام واحترام الآخر، ولأنّ الله سبحانه وتعالى هو خالق الرجل والمرأة، محيط بطبيعتهما، فقد جعل قيمومة الأسرة وإدارتها بيد الرجل لأنّه أكثر تعقّلاً في قراراته ومواقفه، في حين أنّ المرأة جعلت مخزناً للعاطفة لوظائف أخرى يعجز عنها الرجل.

ونؤكد مرة أخرى أنّ هذا لا ينبغي أن يكون مدعاة للاستبداد ومصادرة الرأي الآخر، لأنّ الأسرة السعيدة هي الأسرة التي يسودها التفاهم والاحترام والانسجام، حيث تطرح الأمور للحوار؛ فيما تبقى الكلمة الأخيرة للرجل في حال الاختلاف لأنّه الأكثر تعقّلاً والاقل اندفاعاً وراء العواطف.

وتتجلّى مسؤولية الرجل في ثلاثة محاور:

الأول: الانفاق على الأسرة والتخطيط لأسلوب حياتها بعد مشاورة أفراد الأسرة.

الثاني: الدفاع عن كيان الأسرة.

الثالث: الاشراف على الوضع الثقافي والأخلاقي للأسرة.

_الإنفاق:

حيث يتحمّل الرجل مسؤولية ذلك كاملة.

سأل إسحاق بن عمّار أبا عبد الله عليه السلام عن حق المرأة على زوجها؟ فقال: يشبع بطنها ويكسوها وإن جهلت غفر لها (12).

_الاحترام والمداراة:

يتوجب على الرجل أن يقدّر زوجته ويعرف حقّها ويحترمها ويعدّها نعمة من نعم الله، فيغفر لها إذا أخطأت في حقّه، ولا يعاندها أو يضيّق عليها في حياتها.

عن الإمام السجاد عليه السلام قال: وأمّا حق الزّوجة فأن تعلم أنّ الله عزّ وجل جعلها سكناً وأنساً فتعلم أن هذه نعمة من الله عليك فتكرمها وترفق بها، وإن كان حقك عليها أوجب فإنّ لها عليك أن ترحمها لأنّها أسيرتك وتطعمها وتكسوها وإذا جهلت عفوت عنها (13).

_المسؤولية الأخلاقية والدينية:

يتوجب على الرجل رعاية زوجته أخلاقيّاً ودينيّاً، ومساعدتها في ذلك وتوفير مستلزمات تعليمها، فهو مسؤول عن أخلاق زوجته وسيرتها، يحثّها على عمل الخير وينصحها في الابتعاد عن مواطن الشر؛ وخلاصة القول زحزحتها عن الجحيم يوم القيامة، وهذه في طليعة مسؤوليات الرجل الذي جعله الله قيّماً على الأسرة، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) (14).

*واجبات المرأة تجاه زوجها:

تحمل المرأة مسؤوليات كبيرة تجاه زوجها؛ يمكن تلخيصها في الحديث المروي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام حيث يقول فيه: جهاد المرأة حسن التبعّل (15).

وهذه العبارة على اختصارها تنطوي على معان واسعة، حيث يتجلّى فيها الاعتراف بقيمومة الرجل ومساندته في ذلك لتكون له هيبة بين أبنائه، فلا تقطع أمراً دون رضاه، وتطيعه عند أمره لها. وإذا كان يرى صلاحاً في عدم خروجها من المنزل أحياناً سلّمت له بذلك، وهي خلال كل ذلك تعاشره بالتي أحسن وتدخل الفرحة في قلبه. فالمرأة هي مصدر الدفء العائلي، بما أودعه الله في فطرتها من مخزون العواطف ونبل المشاعر. تتطيب وتتزيّن له وتمكنه من نفسها إذا أراد، تعني بأبنائها وتربيهم على احترامه وحبّه، وفي مثل هذه الحالة تكون المرأة مصداقاً للحديث في حسن التّبعل الذي يعدّ جهاد المرأة الحقيقي.

إنّ جميع الأحاديث التي تتحدّث عن واجبات المرأة تدور حول المحاور التالية:

-طاعة زوجها في الإطار الشرعي.

_تلبية رغبته في الاستمتاع الجنسي، إلاّ في ما نهى الشرع عنه.

_الأمانة وحفظ أمواله عند غيابه.

_العفّة وطهارة الثوب.

_الخروج من المنزل بإذنه.

عن الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وآله قال: ما استفاد امرؤ مسلم فائدة بعد الإسلام أفضل من زوجة مسلمة تسرّه إذا نظر إليها وتطيعه إذا أمرها وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله (16).

وعن الإمام الباقر عليه السلام قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالت: يا رسول الله ما حقّ الزّوج على المرأة؟ فقال: أن تطيعه ولا تعصيه، ولا تتصدق من بيته إلاّ بإذنه، ولا تصوم تطوّعاً إلاّ بإذنه، ولا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قتب، ولا تخرج من بيتها إلاّ بإذنه (17).

__________________

(1) الروم، الآية 21.

(2) البقرة، الآية 187.

(3) النساء، الآية 19.

(4) الوسائل، ج14، ص 112.

(5) المستدرك، ج2، ص 559.

(6) بحار الأنوار، ج103، ص 254.

(7) الوسائل، ج14، ص 183.

(8) الوسائل، ج14، ص 117.

(9) المستدرك، ج2، ص 545.

(10) المصدر السابق.

(11) النساء، الآية 34.

(12) مكارم الأخلاق، ج1، ص 248.

(13) بحار الأنوار، ج 74، ص 5.

(14) التحريم، الآية 6.

(15) البحار، ج 103، ص 252.

(16) الوسائل، ج14، ص 23.

(17) المصدر السابق، ص 112.

 
تاريخ النشر: 2017/03/30
 
تقييم الموضوع: Facebook Twitter
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لمجلة عبقات الأنوار © 2017م