العدد العشر- 1 رجب 1438 هـ | الأرشيف | الخميس 30 مارس 2017 م  
الرئيسية
الافتتاحية
معارف ومفاهيم
الأسرة والمجتمع
مواضيع متفرقة
واحة القراء
تواصل معنا
 
القائمة البريدية
 
عدد الزوار
17718
مواضيع متفرقة
 
من ثمار التقوى
[المشاهدات :191] - [التعقيبات : 0]
 

 من ثمار التقوى

بقلم الشيخ حسن عبد الله العجمي

 

حقيقة التقوى:

أشارت العديد من الآيات القرآنية والرّوايات الشريفة المأثورة عن النبي المصطفى "صلى الله عليه وآله" وعن الأئمة الطاهرين من أهل البيت "عليهم السلام" إلى الكثير من الثمار والفوائد للتقوى، وقبل التعرّض لبعض ثمارها وآثارها مما ورد في الآيات والرّوايات أودّ بيان ما هي التقوى؟

هناك رواية عن الإمام الصادق "عليه السلام" يعرّف فيها التقوى فيقول:

(أن لا يفقدك الله حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك) (1).

فالتقوى على حسب هذا التعريف هي الامتناع عن الذنب والمعصية، بفعل ما أوجب الله فعله، وترك ما نهى عنه وأمر بتركه، بعبارة أخرى هي ملكة إذا حصلت للإنسان استطاع بموجبها أن يجتنب المعاصي والمخالفات الشرعية، فالمتقي إذن هو ذلك الإنسان الملتزم التزاماً تاماً بالواجبات، فيؤدي ما فرضه الله تعالى عليه من الفرائض والواجبات وينتهي عن ما نهاه عنه سبحانه من المنهيات والمحرّمات.

والآيات والرّوايات في الدّعوة إلى ملازمة التقوى كثيرة، قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (2)، وقال: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (3)، وقال: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ) (4)، وقال: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) (5).

وعن النبي "صلى الله عليه وآله" أنه قال لأبي ذَر: (أوصيك بتقوى الله، فإنّه رأس الأمر كلّه) (6).

وأثر عن الإمام أمير المؤمنين "عليه السلام" الكثير من الأقوال في الحث على التقوى، وَمِمَّا أثر عنه قوله: (أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي ألبسكم الرياش، وأسبغ عليكم المعاش) (7)، وقوله: (أوصيكم بتقوى الله فإنها غبطة الطالب الراجي، وثقة الهارب اللاجئ، واستشعروا التقوى شعاراً باطناً) (8).

من ثمار التقوى:

1-المحبة والتأييد والحفظ والنصرة:

قال تعالى: (إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (9). إنّها المعيّة، ثمرة الولاية الإلهية للمتقين (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (10)، تلكم الولاية التي لا حدود لعطائها في شطريه المادي والمعنوي، حيث تفضي إلى محبته سبحانه (بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (11)، فيغدق سبحانه على أوليائه المتقين من نعمه ظاهرها وباطنها، لتصل آثار محبته لهم إلى أن يتفضل عليهم بالنصرة والحفظ من شر كل ذي شر، ويتفضل عليهم بالمزيد من فضله ليكونوا مصداقاً للذين أنعم الله عليهم، فهم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.

2- البصيرة:

وبما أنّ العبد يحتاج في مسيرته الحياتية في هذه الحياة الدنيا، ونتيجة لوجود الكثير من المسالك والسبل المختلفة، والأيدلوجيّات والأفكار المتضاربة، إلى قوّة يميّز بها بين الصحيح والسقيم، والصواب والخطأ، والحسن والقبيح، والصديق من العدو، والفوائد من الأضرار، وعوامل السعادة من عوامل الضّياع والشقاء، فإن هذه القوّة إنّما تأتي من التقوى، حيث يهب الله تعالى لعبده المتّقي بصيرة يستطيع بواسطتها أن يفرّق بين الحقِّ والباطل، سواء أكان ذلك في الاعتقاد بالتفرقة بين الإيمان والكفر، وكل هدى وضلال، أو في العمل بالتمييز بين ما هو طاعة لله وما هو معصية له، وما يرضي الله وما يسخطه، أو في الرأي والنظر بالفصل بين الصواب والخطأ، فكل ذلك يتأتى بواسطة الفرقان والنور الذي تثمره التقوى، قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (12)، وقال سبحانه: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (13).

3- إصلاح العمل وتكفير السيئات:

ووعد الحق سبحانه عباده بأنّهم إن لازموا التقوى في حياتهم وعاشوها سلوكاً، عملاً وقولاً، وعدهم بأن يصلح أعمالهم، حيث يوفقهم إلى أن يأتوا بها صالحة مرضيّة لديه، ويكفّر عنهم سيئاتهم فيزيل عنهم آثامها فلا يؤاخذهم عليها، فقال: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) (14)، وقال سبحانه: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً) (15).

4- سبب في الخروج من الأزمات:

ولا شكّ أنّ مصاعب الحياة الدنيا وأزماتها كثيرة، فالمرء فيها عرضة لأن تنتابه المشاكل والمصائب، وتتوجه إليه الهموم والأحزان، فيحتاج إلى ما يخرجه منها، ولا مخرج من كلِّ ذلك إلاّ بملازمة التقوى، فمن يعيش في خط الاستقامة يُسهِّل الله له المخرج من كل ما ألم به من مضائق هذه الحياة وما صعب عليه من أمورها، بهذا نطقت الآيات الكريمة والرّوايات الشريفة، قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) (16)، وقال: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً) (17).

وعن النبي "صلى الله عليه وآله" قال: (لو أن السماوات والأرض كانتا رتقاً على عبد ثم اتقى الله لجعل الله له منهما فرجا ومخرجا) (18).

وعن أمير المؤمنين "عليه السلام" قال: (من اتَّقَى الله سبحانه جعل له من كل همٍّ فرحاً، ومن كل ضيق مخرجاً) (19).

وعنه "عليه السلام" قال: (من أخذ بالتّقوى عزبت عنه الشدائد بعد دنوّها، واحلولت له الأمور بعد مرارتها، وانفرجت عنه الأمواج بعد تراكمها، وأسهلت له الصعاب بعد إنصابها) (20).

5- سبب في إدرار الرّزق:

ومن فضل الله على عبده المتقي ييسر عليه سبل الحصول على الرّزق، فيرزقه من سبل وجهات لا يحتسب العبد أن يأتيه الرزق منها، قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (21).

وعن النبي "صلى الله عليه وآله" قال: (يا أيها الناس اتخذوا التقوى تجارة، يأتيكم الرِّزْق بلا بضاعة ولا تجارة، ثم قرأ: " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ") (22).

وعن الإمام الصادق "عليه السلام" قال: (... فإنّ الله قد ضمن لمن اتّقاه أن يحوّله عمّا يكره إلى ما يحب ويرزق من حيث لا يحتسب ...) (23).

بل إن بركات التقوى تعم البلاد التي يتقي اللهَ أهلُها، فيفتح سبحانه عليهم أسباب الخير من جهة السماء والأرض، قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) (24).

6- النجاة من سكرات الموت:

من العقبات الصعبة التي لا بدّ وأن يمرّ عليها كل إنسان، عقبة استخراج الرُّوح من الجسد، والنَّاس في استخراج واستلام أرواحهم على أقسام، فمنهم من تستلم وتستل روحه بسهولة دون أدنى عناء أو صعوبة، بل لا يعدوا استلام أرواح بعض العباد جهد شم أطيب الرّياحين، ومنهم من يكون استخراج أرواحهم كتبديل الثوب الوسخ من على البدن بثوب نظيف، ومنهم من تنتزع أرواحهم بصعوبة شديدة جداً كتقطيع الأوصال بالمنشار، أو كسلخ الجلد من على الجسد، وبعضهم أصعب من ذلك وبعضهم أسهل، وأمّا المتّقي يسهل الله تعالى عليه سكرات الموت فتستلم روحه بسهولة ويسر.

فينقل أن النبي "صلى الله عليه وآله" قرأ: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) قال: (من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت وشدائد القيامة) (25).

قصة في سهولة استلام الروح:

يُنقل عن العلامة الحلي أنه كتب بخطه المبارك: أنني ذهبت في عصر أحد الأيام إلى مقبرة مدينة الحلة لقراءة الفاتحة لأهل القبور، فشاهدت اسماً على أحد القبور ولم يكن من أهالي الحلة، لأنه كان اسماً أعجمياً، وقد كتب عليه أنّه من أهل العلم، فتمنيت أن أتعرَّف عليه فدعوت الله أن يعرفني على صاحب هذا القبر.

وفي تلك الليلة رأيت في عالم الرؤيا سيداً جليلاً ذا وجه نوراني، فقال: أنا صاحب ذلك القبر الذي قرأت له الفاتحة، وأنا أشكرك على ذلك، فسأله العلامة من أنت؟ فقال: أنا رجل إيراني وقد جئت إلى الحلة طلباً للعلوم الدينية، وبعد مدة مرضت في المدرسة التي كنت فيها واشتدّ مرضي إلى درجة أنني لم أعد أستطع الخروج من الغرفة، وكان حالي وخيماً، وكنت أحسُّ بالألم في جميع بدني.

وفجأة شممت رائحةً طيبةً، ورأيت وجهاً جميلاً وجذاباً فسررت بذلك، فسأل عن أحوالي فقلت له: إني أحسُّ بالألم من رأسي إلى أخمص قدمي، فقال: ألا تريد أن أجلب لك الطبيب لترتاح، فقلت: وهل هناك إحسانٌ أعظم من هذا؟ ولم تمر فترة حتى جاء إليّ شخص آخر وكان جميلاً ومعطراً، فسأل عن حالتي بكل لطف وجب: أين تحسُّ بالألم؟ فقلت: من رأسي إلى أخمص قدمي، فوضع يده على قدمي وأخذ يمسح إلى الأعلى، فقلت: لقد زال الألم إلى هذا الحد، فما زال يمسح صاعداً وأنا أقول: إلى هنا زال الألم، حتى انتهى إلى رأسي، فرأيت نفسي جالساً إلى جانب الغرفة وبدني ملقاً على الأرض، وفي ذلك الوقت دخل أحد طلاب المدرسة ووضع يده على بدني ثم قال: آه لقد مات السيد.

ثم رأيتُ بعد ذلك أنهم حملوا بدني إلى المغتسل ثم كفنوه ولكني شعرت بالخوف عندما أرادوا دفنه في القبر، فرأيت ذلك الشكل الجميل الذي رأيته أول مرة فسررت لذلك، فقال لي: ألا تعرفني؟ فقلت: لا، فقال: أنا عملك الصالح وذلك الطبيب هو ملك الموت عزرائيل الذي قبض روحك وذهب، وأما أنا فسأكون معك دائماً.

والشاهد في هذه القصة أن هذا الرجل باعتبار أنه من أهل الصلاح والتقوى، وأعماله كانت صالحة، فإن روحه استلمت من دون أن يشعر بخروجها، بل إنّه بموته وخروج روحه تخلّص من الآلام والأوجاع التي تسبب بها له المرض الذي ألم به.

7- النجاة من شدائد القيامة:

لقيام القيامة شدائد عظيمة مهولة، حيث يداخل الناس الفزع والخوف والحزن، قال تعالى واصفاً حال الناس عند قيام الساعة: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) (26).

إنّه خطاب ربِّ العزّة والجلالة لجميع النّاس بلا استثناء، يدعوهم فيه إلى ملازمة التقوى، ويعلمهم أنّ أحداث قيام الساعة عظيمة، فهي مرعبة إلى درجة أن تغفل الأم الحنون والعطوف وهي ترضع وليدها من ثديها عنه، وتنسى قربه منها، ووجوده في حضنها وارتضاعه من ثديها، فتتركه مهملة له لهول ما ترى، باحثة عن خلاص لنفسها، وحتى المرأة الحامل فلشدة ما ترى تسقط جنينها وتجهضه قبل موعد ولادتها له، والناس كالسكارى وإن لم يتناولوا مسكراً، فهم كمن سلب عقله لما يرون من شدائد ذلك اليوم وأهواله ومن عذاب الله الشديد.

فلا أمن من كل ما يجري من أهوال ونكبات عند حصول تلك الزلزلة إلاّ بالتقوى، قال تعالى: (فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (27).

8- النجاة من النار والتنعم في الجنة:

ثم إن المتقين لا يداخلهم في يوم العر ض الأكبر على الله - حيث تكون مظاهر العذاب والرّحمة بارزة للجميع - خوف ولا ينتابهم حزن ولا يمسهم سوء، قال تعالى: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (28)، فهم ليسوا كالمجرمين الذين سوّدوا صحائف أعمالهم بالكفر والشرك والنفاق وارتكاب الفواحش والمنكرات، وملؤوها بالمعاصي والسيئات، بل تتضمن صحائفهم عقائدهم الحقّة التي عاشوها، وأعمالهم الصالحة التي مارسوها، ويشاهدون كل تلك العقائد والأعمال متجسمة في تلك الصور المفرحة فيداخلهم السرور والفرح لما يرون من النعيم الذي أعدّه الله لهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

وقال تعالى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً) (29).

النّاس جميعاً البرُّ منهم والفاجر سيردون النار يومَ القيامة، فهذا حتم قطعه الله سبحانه على نفسه، إما بالدخول فيها، فتكون على المؤمن المتقي برداً وسلاماً، أو بالإشراف عليها والاقتراب منها فيأتون إلى جانبها للحساب أو لمشاهدة المصير النهائي للعصاة المذنبين، ثم ينجي الله تعالى عباده المتقين ويترك فيها العصاة المذنبين الظالمين، أو بمرورهم على الصراط الممدود عليها كما قيل (30)، حيث يمرُّ عليه المتقون كلمع البرق، وينجي الله منها برحمته من يشاء، فيما يهوي فيها أهلها العصاة الظالمون (31).

وقال تعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) (32).

لأنهم متقون، يساقون سوق احترام وتبجيل وإجلال وإعزاز وتشريف وتكريم إلى الجنة التي أعدّها سبحانه لهم (33)، يساقون إليها بعد أن (زحزحوا عن النار، واطمأنت بهم الدار، ورضوا المثوى والقرار، الذين كانت أعمالهم في الدنيا زاكية، وأعينهم باكية، وكان ليلهم في دنياهم نهاراً، تخشّعاً واستغفاراً وكان نهارهم ليلاً توحشاً وانقطاعاً، فجعل الله لهم الجنة مآبا، والجزاء ثوابا، وكانوا أحق بها وأهلها، في ملك دائم، ونعيم قائم) (34).

تستقبلهم الملائكة الموكلون بالجنة فيلقون عليهم تحية ربّهم (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) ثم يخاطبونهم بقولهم لهم (طِبْتُمْ)، أي بما أنكم اجتنبتم المعاصي والذنوب في الدنيا ولم تتدنّسوا بها وطهرتم من خبثها فزكت أنفسكم وطابت بعمل الصالحات، ولأن الجنة لا يدخلها إلاّ الطيب (فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) دخول مكث دائم أبدا.   

________________________

(1) بحار الأنوار 67/286.

(2) المائدة: 35.

(3) الحشر: 18.

(4) النساء: 131.

(5) النساء: 19.

(6) الترغيب والترهيب في الحديث الشريف 3/190.

(7) بحار الأنوار 34/126.

(8) الكافي 8/17.

(9) النحل: 128.

(10) يونس: 62 – 64.

(11) آل عمران: 76.

(12) الحديد: 28.

(13) الأنفال:29.

(14) الأحزاب: 70 -71.

(15) الطلاق: 5.

(16) الطلاق: 2.

(17) الطلاق: 4.

(18) بحار الأنوار 67/285.

(19) ميزان الحكمة 9/508، برقم: 22410.

(20) ميزان الحكمة 9/508، برقم: 22411.

(21) الطلاق: 2-3.

(22) ميزان الحكمة 9/506، برقم: 22406.

(23) الكافي 8/49.

(24) الأعراف: 96.

(25) ميزان الحكمة 9/507، برقم: 22405.

(26) الحج: 1 -2.

(27) الأعراف: 35.

(28) الزمر: 60.

(29) مريم: 72.

(30) عن الإمام الباقر "عليه السلام" قال: (قال: لما نزلت هذه الآية:" وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ" سئل عن ذلك رسول الله "صلى الله عليه وآله"، فقال: بذلك أخبرني الروح الأمين أنّ الله لا إله غيره إذا برز الخلائق، وجمع الأولين والآخرين، أتى بجهنم تقاد بألف زمام يقودها مائة ألف ملك من الغلاظ الشداد، لها هدة وغضب وزفير وشهيق، وإنها لتزفر الزفرة، فلولا أنّ الله أخرهم للحساب لأهلكت الجميع، ثم يخرج منها عنق فيحيط بالخلائق، البر منهم والفاجر، فما خلق الله عبداً من عباد الله ملكاً

ولا نبياً إلاّ ينادي: رب نفسي نفسي، وأنت يا نبي الله تنادي: أمتي أمتي، ثم يوضع عليها الصراط أدق من حد السيف، عليها ثلاث قناطر، فأما واحدة فعليها الأمانة والرحم، وثانيها فعليها الصلاة، وأما الثالثة فعليها رب العالمين لا إله غيره، فيكلفون الممر عليها فيحبسهم الرحم والأمانة، فإن نجوا منها حبستهم الصلاة، فإن نجوا منها كان المنتهى إلى رب العالمين، وهو قوله: " إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ"، والناس على الصراط فمتعلق بيد، وتزول قدم، ويستمسك بقدم، والملائكة حولها ينادون: يا حليم اعف واصفح وعد بفضلك وسلم سلم، والناس يتهافتون في النار كالفراش فيها، فإذا نجا ناج برحمة الله مر بها فقال: الحمد لله وبنعمته تتم الصالحات وتزكو الحسنات، والحمد لله الذي نجاني منك بعد أياس بمنه وفضله إن ربنا لغفور شكور) (بحار الأنوار 8/293).

(31) في مجمع البيان للعلامة الطبرسي: (قيل إن الفائدة في ذلك ما روي في بعض الأخبار أن الله تعالى لا يُدخل أحداً الجنة، حتى يطلعه على النار وما فيها من العذاب، ليعلم تمام فضل الله عليه، وكمال لطفه وإحسانه إليه، فيزداد لذلك فرحاً وسروراً بالجنة ونعيمها، ولا يدخل أحد النار حتى يطلعه على الجنة، وما فيها من أنواع النعيم والثواب، ليكون ذلك زيادة عقوبة له، حسرة على ما فاته من الجنة ونعيمها) (مجمع البيان 6/443).

(32) الزمر: 73.

(33) قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: 133).

(34) نهج البلاغة.

 

 
تاريخ النشر: 2017/03/30
 
تقييم الموضوع: Facebook Twitter
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لمجلة عبقات الأنوار © 2017م