العدد العشر- 1 رجب 1438 هـ | الأرشيف | الخميس 30 مارس 2017 م  
الرئيسية
الافتتاحية
معارف ومفاهيم
الأسرة والمجتمع
مواضيع متفرقة
واحة القراء
تواصل معنا
 
القائمة البريدية
 
عدد الزوار
19125
مواضيع متفرقة
 
المرض والتكامل النّفسي
[المشاهدات :250] - [التعقيبات : 0]
 

 المرض والتكامل النّفسي

لقد أكدت الدراسات والأبحاث النّفسية الأخلاقية أنّ الصّحة النفسية هي مصدر سعادة الإنسان واستقرار المجتمع وحفظ النّظام فيه.

فالمجتمع الذي يتمتع أفراده بالصّحة النّفسيّة، وبالسلوك السوي يبني نظاماً اجتماعيّاً تندر فيه الجريمة والانحطاط والمشاكل والأزمات السياسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة، ويسلم من السلوكيّة العدوانية. والإنسان يستطيع بالتربية والإرادة وظروف العلاج والرياضة النفسية أن يتخلّص من الحالات المرضيّة، كالأنانيّة والحقد والكبرياء والغرور والاعجاب بالنفس والجشع ... الخ. وهو كما وصفه القرآن الكريم معرّض للإصابة بمرض الكبرياء والظلم والاستعلاء على الآخرين، ولكي تتضح الصورة فلنقرأ جانباً من تشخيص القرآن وتحليله، قال تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (1).

(وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (2).

(إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (3).

(إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (4).

(وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ * لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) (5).

(وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) (6).

(الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (7).

(الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) (8).

وهكذا يتحدث القرآن عن حقائق كبرى في عالم الإنسان، نستطيع أن نذكر أبرزها كالآتي:

1-إنّ النفس البشرية عرضة للإصابة بالمرض النّفسي، كالتّكبر والاستعلاء والغرور والطغيان، نتيجة للإحساس بالقوّة والاستغناء عن الله والنّاس، ولتغطية حالة الشعور بالنّقص المترسّبة في أعمال العقل الباطن.

فكثير من المتكبّرين والمتغطرسين يعانون من عقدة الشعور بالنّقص، لذا يلجؤون وبشكل لا شعوري إلى ممارسة سلوك المتكبّر.

إنّ تلك الأمراض التي تنعكس على شكل سلوك اجتماعي يظهر في التعامل والعلاقات الإنسانية بشتّى صورها الاجتماعية والسياسيّة، وأنّ هذه الأمراض النفسيّة والأخلاقيّة هي محنة الإنسان الكبرى، ومصدر شقائه وعذابه في الدّنيا والآخرة، لذلك شخّصها القرآن بقوله: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) (9).

(وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا) (10).

(وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا) (11).

(إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ) (12).

(فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) (13).

وهكذا كانت تلك العقد هي مصدر الكفر والظلم والفساد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، كما هي مصدر الانحراف في السلوك الفردي.

2-إنّ الابتلاء يشتّى أنواعه، ومنه الأمراض الجسدية، هو أحد الوسائل التربوية والتأديبيّة الرادعة التي تُشعر الإنسان بضعفه وحاجته إلى بارئه. كما تسلك عقوبة للمجرمين والمتكبّرين والطاغين. ثم هي درس وموعظة للآخرين الذين يشاهدون الطاغي والمتكبّر والمغرور وقد فتك به المرض، وأذلّه وأفقده نعمة الصّحة والاستمتاع بالحياة. وقد أفاض علماء العقيدة والأخلاق الإسلاميون في دراسة الأمراض وأثرها في تكامل النفس وتهذيبها فقسّموها إلى قسمين:

أ_ قسم منها هو عقوبة وانتقام وتأديب للمجرمين.

ب_ وقسم منها تربية وكفّارة للذنوب، وتصعيد للسير التكاملي لدى الإنسان.

فالمرض يوحي للإنسان بالإحساس بالضعف أمام خالقه، وحاجته إلى رحمته وعفوه وإحسانه، وإشعاره بالعطف والرحمة على الآخرين، والحيلولة بينه وبين حالات الغرور والطغيان وظلم الآخرين الذي يولّده الإحساس بالقوة والاستعلاء عليهم.

3- دعا القرآن الكريم الإنسان الذي تلم به المحن والمصائب ومنها المرض إلى الصبر والشكر على المصيبة، ومواجهتها بعزيمة وإرادة قوية، وعدم اليأس من الشفاء، فإنّ الشفاء بيد الله سبحانه، وما الدواء والعلاج إلاّ وسيلة تحتاج إلى توفيق ومشيئة إلهية.

4- إن الله يعوّض الصابرين على ما أصابهم من محن وبلاء في أجسادهم. ولقد عرض القرآن نموذجاً فذّاً للابتلاء بالمرض الجسدي وللصبر واستحقاق الرحمة والعوض، عرض محنة النبي أيوب "عليه السلام" وتحدّث عن قصة مرضه وطول ابتلائه.

ومن هذه التجربة النبوية يتعلّم الإنسان الصبر على المرض والاتّجاه ومن هذه التجربة النبوية يتعلّم الإنسان الصبر على المرض والاتّجاه إلى الله بالدعاء الذي يسير بقوى النفس نحو التكامل، ويركّز مفهوم التواضع والعبوديّة والاتّجاه إلى خالق الوجود مفيض الخير والنعم.

5- كشف القرآن عن حقيقة غائبة عن الكثيرين من بني الإنسان الذين يتعاملون مع الحوادث والوقائع تعاملاً ساذجاً وسطحيّاً، فينظرون إلى كل ما يؤلمهم وتكرهه أنفسهم أو يعاكس أهواءهم أنّه شرٌّ يجب التّخلّص منه. يصحح القرآن هذا الخطأ، ويؤكد أنّ كثيراً مما يحسبه الإنسان شرّاً هو خير له. ويعرض هذا الفهم مساوقاً لفهم الطفل لمرارة الدواء ورفضه لتناوله. وبهذه القاعدة التربوية والفكريّة العامّة يوضّح القرآن الحكمة من المرض وفلسفته في الحياة فيفهم الإنسان أنّ وجود المرض ظاهرة طبيعيّة وضروريّة في الحياة البشريّة، وهي خير بوضعها القانوني العام، كالقتال بوضعه القانوي العام، وكالعقوبات القضائيّة بوضعها القانوني العالم.

لقد أوضح القرآن هذه الحقيقة بقوله:

(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (14).

وكما أوضح فلسفة العقوبات القضائية بقوله:

(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ) (15).

فعلى الرغم مما في القتال والعقوبات القضائية من آلام وكراهة نفسية فهي إحدى وسائل الأمن والسلام في المجتمع البشري، ومن ثم فهما من أبرز مصادر السعادة والطمأنينة. وعلى هذه القاعدة تبنى حكمة المرض الجسدي الذي يكون رادعاً للمرض النفسي وأداة للتربية والتأديب، لذلك نجد الايضاح لحكمة المرض تتجلى في العديد من الأحاديث والبيانات النبويّة والأخرى الصادرة عن أئمة أهل البيت "عليهم السلام" التي تتحدّث عن المرض أداةً للابتلاء والاختبار، والأخرى تتحدّث عن المرض وسيلةً للتكامل وتطهير الذات والوجدان من الأمراض النفسيّة فمن الطائفة الأولى نقرأ:

روي عن الرسول "صلى الله عليه وآله" قوله:

(قال الله عزّ وجل: ما من عبد أريد أن أدخله الجنة إلاّ ابتليته في جسده، فإن كان ذلك كفّارة لذنوبه، وإلاّ ضيّقت عليه في رزقه، فإن كان ذلك كفارة لذنوبه، وإلاّ شدّدت عليه الموت حتى يأتيني ولا ذنب له، ثم أدخله الجنة) (16).

وروي عن الإمام الصادق "عليه السلام" قوله:

(ما يمرّ بالمؤمن أربعون يوماً وما يعاهده الله، إمّا بمرض في جسده، أو بمصيبة يؤجره الله عليها) (17).

وروي عنه قوله أيضاً:

(انّه ليكون للعبد منزلة عند الله فما ينالها إلاّ بإحدى خصلتين، أمّا بذهاب ماله، وإمّا ببليّة في جسده) (18).

ويتحدّث الإمام علي بن الحسين، السجاد "عليه السلام" عن المرض فيقول:

(إنّي لأكره في الرّجل أن يعافى في الدّنيا فلا يصيبه شيء من مصائبها) (19).

ويوضّح الرسول "صلى الله عليه وآله" القيمة التربويّة والأثر الإصلاحي للمرض الجسدي ولما يصيب الإنسان من بلاء، يوضّح أثر ذلك على تصميم المسار السلوكي وعلاج الحالات النّفسيّة المرضيّة، وتصعيد حركة النفس التكامليّة بشكل يفوق الآثار الإصلاحيّة التي تتركها أعمال البر الأخرى نظراً لما يترك الابتلاء من إحساس نفسي عميق وتفاعل فعّال في أعماق النفس، يوضّح الرسول "صلى الله عليه وآله" كلّ ذلك بحكمته الرشيدة فيخاطب أصحابه قائلاً:

[(من يحب أن يصح فلا يسقم)، فابتدرنا فقلنا: يا نبي الله فعرفنا ما في وجهه، فقال: (أتحبّون أن تكونوا كالحمير الضالة)؟ فقالوا: لا يا نبي الله، فال: (ألا تحبّون أن تكونوا أصحاب بلاء وكفّارات؟ فوالذي نفسي بيده إنّ الله لا يبتلي المؤمن بالبلاء ما يبتلي إلاّ للكرامة عليه، إن الله قد أنزله منزلاً لم يبلغه بشيء من عمله دون أن ينزل به من البلاء ما يبلغ به ذلك المنزل)] (20).

ونقرأ تحليلاً دقيقاً للإمام محمد الباقر "عليه السلام" لحكمة المرض وآثاره التي تعمل على تقويم النفس وتصحيح مسارها السلوكي، وعلاج حالاتها المرضيّة، فهو يوضّح أنّ مرض الجسم يعالج مرض النّفس. روي ذلك البيان بالنّص الآتي:

(الجسد إذا لم يمرض أشر (*)، ولا خير في جسد يأشر) (21).

وهكذا تضع نصوص القرآن والسنّة تحليلاً علميّاً لأخطر قضية تواجه الإنسان في حياته، وهي قضيّة المرض الجسمي والنّفسي. والكشف عن مسألة غامضة في هذه القضيّة، وهي أن كثيرا من حالات المرض الجسمي هو علاج للمرض النّفسي، وأنّ مرض المؤمن الذي يقع عليه من الله سبحانه، لا من تقصيره هو لصالحه، بل وحتّى المرض الذي يحدث للإنسان نتيجة للتقصير يكسبه تجربة التوقّي من المرض، ويشعره بنعمة الصحة التي أنعمها الله عليه. فالمرض كما تفيد النصوص هو تربية للإنسان المؤمن، وتصعيد لحركة التكامل النفسي عنده، لما ينتج من الصبر على الألم، وتقوية الإرادة، والرضاء بقضاء الله وقدره، وكبح لجماح النفس، ومقاومة لنوازع الكبرياء والغرور والاستعلاء والبطر ... الخ. وهو بعد ذلك كفّارة للذنوب، فالمرض النازل بالمؤمن بقضاء من الله سبحانه هو ألم، ولهذا الألم عوض إلهي.

وهذا العوض هو المغفرة والعفو الجميل، ولا يعني هذا الفهم طلب المرض أو الخضوع له، بل أوجب الإسلام على الإنسان حماية نفسه من كل ضرر، وحرّم الإضرار بها، كما أوجب عليه العلاج من المرض الذي لا يزال إلا بالعلاج. لذا اعتبر الفقه الإسلامي علاج الزّوجة جزءاً من النفقة الواجبة على الزوج. بل وصوّر لنا كتمان المرض وعدم البوح به للطبيب ليتمّ التشخيص والعلاج خيانة للجسم. فقد ورد عن الإمام علي "عليه السلام" قوله: (من كتم الأطباء مرضه فقد خان بدنه).

ويتعامل التوجيه الإسلامي مع الحالات النّفسيّة للمريض بإيجابيّة وتحليل علمي موجّه النتائج، منها أنّ بعض المرضى يشعر بالخطأ والتقصير تجاه نفسه وخالقه ومجتمعه غير أنّ سرعان ما ينسى هذه الموعظة، وينسى فضل الله عليه عندما يزول عنه المرض وتعود إليه الصّحة، لذا تعامل معه بالتوعية والتذكير وتصحيح المواقف والسلوك، لانتشاله من هذه المشكلة السلوكية. جاء هذا التوجيه في كلام للإمام علي "عليه السلام" قاله لرجل طلب منه أن يعظه:

(لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير العمل ... إن سقم ظلّ نادماً وإن صحّ أمن لاهياً، يعجب بنفسه إذا عوفي، ويقنط إذا ابتلي) (22).

المصدر كتاب "الرعاية الصحية في الإسلام" إعداد دار التوحيد.

________________

(1) الحديد: 22 -23.

(2) النساء: 173.

(3) غافر: 56.

(4) الكهف: 7.

(5) آل عمران: 185 – 186.

(6) الأنبياء: 83 – 84.

(7) الحج: 35.

(8) الشعراء: 78- 80.

(9) العلق: 6 -7.

(10) الإسراء: 37.

(11) النساء: 173.

(12) غافر: 56.

(13) فصلت: 15.

(14) البقرة: 216.

(15) البقرة: 179.

(16) الطبرسي/ مشكاة الأنوار/ ص 291.

(17) الطبرسي/ مشكاة الأنوار/ ص 292.

(18) الطبرسي/ مشكاة الأنوار/ ص 298.

(19) الطبرسي/ مشكاة الأنوار/ ص 295.

(20) الطبرسي/ مشكاة الأنوار/ ص 301.

(*) أشِر أشراً: مرح ونشطن بطر واستكبر. والبطر هو الزهر والاستخفاف بالنعمة وكفرانها.

(21) الطبرسي/ مشكاة الأنوار/ ص 280.

(22) نهج البلاغة، باب المختار من حكم أمير المؤمنين رقم النص 150.

 
تاريخ النشر: 2017/03/30
 
تقييم الموضوع: Facebook Twitter
 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لمجلة عبقات الأنوار © 2017م